فهرس الكتاب
ولو أمكنك عبور كلِّ أحد من العلماء والزهاد فافعل، فإنهم كانوا رجالا وأنت رجل, وما قعد من قعد إلا لدناءة الهمة وخساستها [1] .
وقال الشوكاني: ينبغي لمن كان صادقَ الرغبة قويَّ الفهم ثاقب النظر عزيز النفس شهم الطبع عالي الهمة سامي الغريزة أن لا يرضى لنفسه بالدون ولا يقنعَ بما دون الغاية, ولا يقعدَ عن الجِدِّ والاجتهاد المبلِّغين له إلى أعلى ما يراد وأرفعِ ما يُستفاد, فإن النفوس الأبية والهمم العلية لا ترضى بدون الغاية في المطالب الدنيوية من جاه أو مال أو رئاسة أو صناعة أو حرفة حتى قال قائلهم:
إذا غامرت في شرف مَروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطَعْمُ الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم
وقال آخر مشيرا إلى هذا المعنى:
إذا لم تكن ملِكا مطاعا ... فكن عبدا لخالقه مطيعا
وإن لم تملك الدنيا جميعا ... كما تهواه فاتركها جميعا
هما شيئان من مُلْك ونسك ... يُنِيلان الفتى شرفا رفيعا
وقال آخر:
فإما مكانا يضرب النجم دونه ... سُرادقه أو باكيا لحمام
وقد ورد هذا المعنى كثيرا في النظم والنثر, وهو المطلب الذي تنشط إليه الهمم الشريفة وتقبله النفوس العلية.
وإذا كان هذا شأنهم في الأمور الدنيوية التي هي سريعة الزوال قريبة الاضمحلال, فكيف لا يكون ذلك من مطالب المتوجهين إلى ما هو أشرف مطلبا
(1) صيد الخاطر (ص 175) , وقال الحجوي في الفكر السامي 2/ 189: ولله در سعيد بن الحداد الفقيه القيرواني إذ يقول: إن الذي أدخل كثيرا من الناس في التقليد نقص العقول ودناءة الهمم.