فهرس الكتاب
وبذلك يظهر أن المقاصد عند الشاطبي لضبط الاستدلال وليس لتمييعه ، وأن اعتبار الكليات لا يجب أن يفضي إلى إهدار الجزئيات كما يرغب بذلك الخطاب العلماني ، ولكأني بالشاطبي يخاطب العلمانيين عمومًا والجابري تحديدًا لأنه يريد توظيفه توظيفًا مغرضًا حين يعتبره مؤسسًا لنظام العقل بدلًا من نظام الخطاب وذلك حين يقول:""إن عامة المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح فهو عمدتهم الأولى وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع فهو المقدم في نحلهم، بحيث لا يتهمون العقل وقد يتهمون الأدلة إذا لم توافقهم في الظاهر…وليس كل ما يقضي به العقل يكون حقًا"" (1) .
ومن هنا فإن الخطاب العلماني حين يتجاهل هذه القوانين والضوابط التي وضعها أهل المقاصد فإنه ليس من حقه أن يتكلم باسم المقاصد ، لأن هذا لون من الهزلية أو المراوغة ، إذ أن الذي ينضوي تحت شعار ليس من اختراعه عليه أن يلتزم بقوانين ذلك الشعار حتى يُعد من أهله ، كما أن من انضم في معمعة من المعامع إلى أهل راية عليه أن يعرف إشاراتهم ومواضعاتهم وقوانينهم ونظامهم حتى لا يقتلونه .
لو راعى العلمانيون نظام المقاصد وقواعدها وقوانينها لما خرجوا بارتجالات عبثية ينسبونها إلى دين الله عز وجل وكمثال على ذلك: لو أن نصر حامد أبو زيد تعلم ضوابط المقاصد لما قال بتساوي المرأة مع الرجل في الميراث في هذا العصر انطلاقًا من المغزى فالمرأة على حد قوله كانت لا تعطى شيئًا في الجاهلية ، ثم جاء الإسلام فأعطاها نصف الذكر وهو ما يفهم من ظاهر الآيات وهذا هو المعنى ، أما المغزى فهو تعليم لنا وإشارة أن نعطيها في المستقبل مثل حظ الذكر (2) .
(1) الشاطبي:"الاعتصام"ص 1 / 184 - 185 .
(2) انظر: نصر حامد"نقد الخطاب الديني"ص 223 ، 225 .