فهرس الكتاب
وبذلك يتبين لنا أن الشاطبي لم يحدث قطيعة أبيستمولوجية مع أصول الشافعي كما قال الجابري (1) وأيده باروت (2) بل هو يترسم خطاه ويبني على قواعده وأصوله، ويعتز باقتفاء أثره .
ثانيًا - المصالح:
إذا كانت المقاصد التي يُنظر فيها أصلًا إلى مراد الشارع ، ويُتحرى فيها رضاه سبحانه وتعالى أراد العلمانيون أن يجدوا من خلالها مدخلًا للتنصل من المرجعية القرآنية ، فإن المصالح التي يُنظر فيها أصلًا إلى حال الإنسان وما يلائمه وما يصلحه أدعى لأن يبحث فيها هؤلاء الناس عن ذلك المدخل .
إن المشكلة ليست في ضرورة اعتبار المصلحة فالكل متفق على أن المصلحة هي مناط التشريع ، ولكن المشكلة أي مصلحة نعني ؟ ومتى نعد الشيء مصلحة ، ومتى نعده مفسدة ؟ ومتى نعده نفعًا ، ومتى نعده ضررًا ؟ ومتى نعده مصلحة راجحة ، ومتى نعده مصلحة مرجوحة ، ومتى نعده مصلحة حقيقية معتبرة ، ومتى نعده مصلحة وهمية متروكة (3) .
وما هو المعيار الذي يحكم المصالح ؟ لأن ما يكون مصلحة لشخص قد يكون ضررًا لشخص آخر ، وما يكون مصلحة لشخص في زمن قد يكون ضررًا له في زمن آخر ؟
ثم المصالح منها ما هو ضروري ومنها ما هو تحسيني ومنها ما هو حاجي ، وقد تتعارض أو تتداخل وقد يدق الفرق فتختلف التقديرات ، فلا بد من وضع هذه الاعتبارات جميعًا في مراعاة المصلحة ، حتى يمكن أن نحقق هذه المصلحة (4) . ثم هل النص معيار المصلحة والحاكم عليها ؟ أم المصلحة هي معيار النص والحاكمة عليه ؟ وهل تتعارض المصلحة مع النص ؟ وإذا تعارضت فما الحل ؟
(1) انظر: د. الجابري"بنية العقل"ص 540 .
(2) انظر: محمد جمال باروت"الاجتهاد: النص ، الواقع ، المصلحة"ص 107 .
(3) انظر: د. أحمد الريسوني"الاجتهاد: النص الواقع المصلحة"ص 33 .
(4) انظر: السابق ص 36 ، 37 .