لدخول عدد كبير من الصقليين في الإسلام، وقد نبه ابن حوقل إلى هذه الظاهرة في زيارته لصقلية، ولحظ أن اللحن يشيع على ألسنة عدد كبير من الناس وهم لا يأبهون لذلك [1] .
وكان من نتائج هذا التساهل -أو الإهمال- أن فشا اللحن في لغة الصقليين بصورة خطيرة، وصفها ابن مكي في عصره بقوله:"فلما تمت الحجة، ووضحت المحجة، هجم الفساد على اللسان، وخالطت الإساءة الإحسان، ودخلت لغة العرب، فلم تزل كل يوم تنهدم أركانها، وتموت فرسانها، حتى استبيح حريمها، وهجن صميمها، وعفت آثارها، وطفئت أنوارها، وصار كثير من الناس يخطئون -وهم يحسبون أنهم مصيبون- وكثير من العامة يصيبون -وهم لا يشعرون- فربما سخر المخطئ من المصيب، وعنده أنه قد ظفر بأوفر نصيب، وتساوى الناس في الخطأ واللحن، إلا قليلًا [2] ".
وإذا كنا نعرف هذا القدر من المعلومات عن الفقه والقراءات والحديث واللغة -فنحن في الواقع نجهل كل شيء عن التفسير والمفسرين، عدا ما ذكر من أن محمد بن عبد الله المقرئ من أهل صقلية المقيمين بها، كان من أهل القرآن والتفسير.
فهذه العلوم التي انتشرت في صقلية جعلت منها مدرسة قائمة بذاتها داخل المذهب المالكي، وإن لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه من دراسة وتحقيق ونشر مصنفاتها إلا إذا استثنينا بعض مؤلفات الإمام المازري.
ولا شك أن المدرسة الصقلية تأثرت بالمدارس المالكية التي سبقتها كالمدرسة القيروانية، والمدرسة المصرية، والمدرسة الأندلسية، والمدرسة البغدادية، وذلك من خلال مصنفين مغمورين للعلامة عبد الحق الصقلي -رحمه الله- وهما:"النكت والفروق لمسائل المدونة والمختلطة،"وكتاب"تهذيب الطالب وفائدة الراغب"المشتمل على كثير من مسائل المدونة والمختلطة.
(1) الشعر العربي في صقلية في القرن الخامس ص 113.
(2) تثقيف اللسان وتلقيح الجنان ص 41.