و لا زال الغرب ينمو و يتقدم بتخليه عن ماضيه و خروجه على سلطة الكنيسة و رجالها ، و الشرق الإسلامي يتردى و يتحطم بتنكره لأصوله و تخليه عن دينه و شريعة ربه ، حتى جاءت اللحظة الفاصلة فسقطت الخلافة ، و تداعت الأمم على ديار الإسلام تستولي و تستعمر ، و تشغل معاول التجهيل و التغريب في أبناء المسلمين ، حتى اتسعت الهوَّة بين المسلمين و كلٍ من دينهم ، و الحضارة التي أحرزها عدوُّهم ، فيما كان للغرب الصليبي سبق لا ينكر في المجالات المادية ، و الصناعات التقنية .
و فقدت الأمة الإسلامية استقلالها ، فأمست تابعة مسودة مقودة ، يسيرها أعداؤها كما يشاؤون ، و يعاني أبناؤها من عقدة التخلف و التبعية .
و قد تمخض هذا الواقع عن ظهور ثلةٍ من المفكرين و الكتاب و العلماء الداعين إلى اللحاق بركب الحضارة الغربية ، لتجديد فهم الإسلام ، و تطوير أحكامه بما يتناسب و ظروف الزمن الراهن .
و كان في طليعة هؤلاء العلماء المجددين كلٌ من جمال الدين الأفغاني و محمد عبده ، و تلميذه محمد رشيد رضا ، و آخرون ممَّن كانت لهم الشهرة في أوائل القرن الرابع عشر الهجري .
و قد نادى هؤلاء المجددون بإدخال إصلاحات جذرية في علوم الشرع و أحكامه لتواكب العصر ، و كانت باكورة عملهم الدعوة إلى إصلاح الأزهر الشريف بصفته المرجعية العليا لغالبية المسلمين في تلك الفترة .
انتقال فكرة التجديد و دعوة العقلانيين إلى البوسنة:
تأثر بفكر التجديد ، و دعاوى العقلانيين طائفة من الطلاب الذين وفدوا من أقطار الدنيا لطلب العلم الشرعي في الأزهر الشريف ، و عادوا إلى بلادهم يدعون إلى الإصلاح و التجديد ، و كان فيهم بلا ريب عدد لا يستهان به من أبناء البلقان .
و مع سقوط الخلافة العثمانية انقطعت جسور التواصل بين مسلمي البوسنة و إخوانهم في أنحاء العالم الإسلامي ، و فرض عليهم أسلوب جديد في العيش و التفكير المتحرر من الواجبات الدينية و الثوابت العقدية .