المطلب الثاني: التوسع في القياس والاستحسان [1] .
القياس هو أحد الأصول الأربعة التي أجمعت عليها المذاهب الفقهية في الجملة [2] ، والذي تميز فيه المذهب الحنفي أنهم توسعوا في الأخذ فيه، وكذلك أخذوا بالاستحسان وهو من ضمن الأصول المختلف فيها فقد أخذ به الحنفية وغيرهم [3] إلا أنهم توسعوا فيه كثيرا كما توسعوا في القياس، وقد روي عن محمد بن الحسن أنه قال:"كان أبو حنيفة يناظر أصحابه في المقاييس، فينتصفون منه، ويعارضونه، حتى إذا قال: أستحسن، لم يلحقه منهم أحد؛ لكثرة ما يورد في الاستحسان من المسائل، فيدعون جميعا، ويسلمون له" [4] ، والسبب الرئيسي في توسع المذهب الحنفي في الأخذ بالقياس، والاستحسان هو تضييقهم دائرة أحاديث الآحاد، وتوسعهم في شروط قبولها، مما جعل الأحاديث الصحيحة قليلة عندهم، فألجأهم ذلك إلى القياس، والاستحسان، زيادة على ذلك كثرة الحوادث والمستجدات في العراق [5] ،وأيضا القدرة الفائقة عند الإمام أبي حنيفة على القياس والاستحسان حتى قال عنه الإمام مالك:"رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته" [6]
(1) القياس هو:"إثبات حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علة الحكم"المعتمد في أصول الفقه لأبي حسين البصري 2/ 206، والاستحسان هو:"العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه هو أقوى"الإحكام، للآمدي 4/ 158.
(2) خالف الظاهرية في هذا الأصل فهم لا يأخذون بالقياس. انظر: الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم 1/ 13.
(3) انظر: الموافقات، للشاطبي 3/ 228، الفكر السامي، للحجوي 1/ 148.
(4) أخبار أبي حنيفة وأصحابه، للصيمري ص 12، أبو حنيفة حياته وعصره، لأبي زهرة ص 301.
(5) انظر: الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، للزرقا 1/ 68.
(6) غمز عيون البصائر، لأحمد مكي 1/ 28، مناقب أبي حنيفة وصاحبيه، للذهبي ص 31.