المطلب الرابع: الفقه الافتراضي.
ومما تميز به المذهب الحنفي افتراض المسائل وتقدير وقوعها قبل أن تقع، وقد روي عن الإمام مالك أنه لما سأله أحد طلابه عن مسألة، فقال: أرأيت لو كان كذا؟ فغضب مالك وقال: هل أنت قادم من العراق؟ [1] ، مما يدل على أن افتراض المسائل مشتهر عن أهل العراق.
وقد كان الإمام أبو حنيفة يلجأ إلى فرض المسائل ليدرب طلابه على الاجتهاد والاستنباط، وكانت المسائل التي يفرضها ممكنة الوقوع، فقد روي عنه أنه سأل قتادة فقال:"يا أبا الخطاب ما تقول في رجل غاب عن أهله أعواما ونعى إليها وظنت امرأته أنه ميت فتزوجت ثم قدم زوجها الأول وقد ولدت ولدا فنفاه الأول وادعاه الثاني ... فقال قتادة: أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا، قال: فلم تسألني عما لا يقع؟ فقال أبو حنيفة: إنا نستعد للبلاء قبل نزوله" [2] ، وهذه المسألة وأمثالها ممكنة الوقوع.
وكان ينهى رحمه الله طلابه عن فرض ما يستحال وقوعه من المسائل، لعدم فائدة ذلك الافتراض، وقلة جدواه [3] ، إلا أن المتأخرين من أصحابه توسعوا كثيرا وفرضوا مسائل مستحيلة الوقوع، ولا فائدة منها إلا ضياع الوقت في الجدل المنهي عنه، من ذلك افتراض بعضهم موت رجل وترك مئة جدة، أو إذا تترس الكفار بنبي هل نرمي أو لا؟ [4]
قال الحجوي:"فتلخّص أن أبا حنيفة أول من فرض المسائل الغير الواقعة وبيَّن أحكامها, عساها إن نزلت ظهر حكمها، فزاد علم الفقه اتساعًا ومجاله انبساطًا، غير أن المتأخرين من أصحابه ومن غيرهم, أكثروا باتساع دائرة الخيال، لا سيما في مسائل الرقيق، وفي الطلاق، والأيمان، والنذور، والردة، وكلها مسائل تفنى الأعصار ولا تقع واحدة منها، وإنما تضيع أعمار العلماء، حتى أدَّى الأمر إلى الخبال، وأوجب تأخر الفقه ودخلوه في طور الكهولة, ثم الشيخوخة، ولا غرابة في كون الزيادة في الشيء تؤدي إلى نقصانه" [5]
(1) انظر: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، للسباعي ص 403.
(2) انظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه، للصيمري ص 22.
(3) انظر: المذهب الحنفي، للنقيب 1/ 422.
(4) انظر: حاشية ابن عابدين 2/ 181.
(5) الفكر السامي 1/ 294.