الصفحة 7 من 21

المطلب الثالث: استقرار المذهب الحنفي:

ثم تتابع التأليف بعد إلى أن هجم التتار في منتصف القرن الخامس على الشرق الإسلامي فأكل الأخضر واليابس وكان بداية الانحطاط الفقهي [1] ، أو عصر الشيخوخة والهرم كما يسميه الحجوي في كتابه الفكر السامي [2] ، وفي القرن الثامن الهجري استقر المذهب وركد، واقتصرت الهمم على النقل، والتقليد، والتكرار، والاختصار، وشرح المختصر، واختصار الشرح، وفكرة الاختصار تم التنافس فيها على جمع الفروع الفقهية الكثيرة في ألفاظ قليلة مما جعلها كالألغاز، ومما أفسد الفقه [3] .

"فالفقيه في هذه العصور المتأخرة ليس له الخروج من دائرة الأقوال المروية من أئمة المذهب ومشايخة الكبار حتى وإن ظن أنه وجد دليلا أقوى مما استدل به المتقدمون، فالظاهر أنهم رأوا دليلا أرجح مما رآه حتى لم يعملوا به" [4] .

وهذا لا يعني عدم وجود تآليف قيمة أو علماء أفذاذ في تلك المرحلة بل وجد من العلماء الأجلاء كالزيلعي، والبابرتي، والكمال ابن الهمام، ولهم كتبهم القيمة كنصب الراية، والعناية، وفتح القدير إلا أن الطابع العام كان طابع الركود والجمود وما ترك الأول للآخر [5] .

ومع كل هذا فلا جدال أن المذهب الحنفي هو أوسع المذاهب الفقهية انتشارا، فقد خدمته سياسات الدول خدمة لا نظير لها، فأكثر قضاة الدولة العباسية من الحنفية، وقضاة ممالك السلجوقيين، والخوارزميين من الحنفية،"ولما ولي الملك السلطان نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي - وقد كان حنفيا- نشر مذهبه ببلاد الشام ومنه كثرت الحنفية بمصر" [6] .

وفي الدولة العثمانية أصدر السلطان سليم قرارا سلطانيا يعلن فيه أن المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي للدولة في الفتيا والقضاء [7] ، وكان من ثمرات هذه الفترة مجلة الأحكام العدلية

(1) انظر: الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، للزرقا 1/ 147.

(2) الفكر السامي، للحجوي 2/ 504

(3) الفكر السامي، للحجوي 2/ 504، المذهب الحنفي، للنقيب 1/ 150 - 151

(4) رسم المفتي، لابن عابدين ص 24

(5) انظر: المذهب الحنفي، للنقيب 1/ 151

(6) حدوث المذاهب الفقهية وانتشارها، لتيمور ص 17

(7) المذهب عند الحنفية، لمحمد ابراهيم أحمد علي ص 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت