ونحن إذا نظرنا إلى مسألتنا التي نتحدث عنها؛ وهي (( قيادةُ المرأةِ للسيارةِ ) )نجدها من المسائلِ الحادثةِ التي لم يرد فيها نصٌّ يخصُّها بحكم، فهي لذلك تحتاجُ إلى نظرِ الفقيهِ لينظر في حقيقتِها، وما تؤدي إليه، وما يحفها من مصالح ومفاسد، ثم ينظر إلى القواعد التي يمكن أن تندرج تحتها، ثم يعطيها الحكم اللائق بها.
فَيُقَالُ: (( الأَصلُ فِي الأَشْيَاءِ الإِبَاحَةُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّحرِيْمِ ) )، وهذه قَاعِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الفُقَهَاءِ -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- فَمِنْ قَائِلٍ بِهَا، وَمِنْ قَائِلٍ -كَالإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ-: (( الأَصلُ فِي الأَشْيَاءِ التَّحرِيْمُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الإِبَاحَةِ ) )، وَمِنْ قَائِلٍ بِالتَّوَقُّفِ كَجُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ.
[الأشباه والنظائر للسيوطي ص60، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص73، وقواعد الأصول لابن اللحام] .
وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ عُلَمَاءَنَا يَرَونَ الرَّأْيَ الأَوَّلَ؛ وَهُوَ (( الأَصلُ فِي الأَشْيَاءِ الإِبَاحَةُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّحرِيْمِ ) ).
ثم ننظر، هل هذه القاعدة تنطبق على (( قيادة المرأة للسيارة؟ ) ).
الجواب: لا، لاتنطبق عليها؛ وذلك أنَّ النصوصَ والقواعدَ الشرعيةَ تدلُ على المنع، فهذه القاعدةُ لا تنطبق على مسألتنا هذه من هذا الوجه، أي كون الأمور التي تلازمُها وتحفها تمنع من القولِ بهذه القاعدة.
وهذا بيانٌ لذلك:
أَوَّلًا: (( أَنَّ دَرءَ الْمَفَاسِدِ -إِذَا كَانَتْ مُكَافِئَةً لِلْمَصَالِحِ، أَوْ أَعظَمَ- مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ ) )، وَالدَّلِيْلُ قَولُهُ تَعَالَى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيْهِمَا إِثْمٌ كَبِيْرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } .
[سورة البقرة، الآية 219] .