فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 88

وأقبل المساء من ذلك اليوم وإذا أبو جهل عمرو بن هشام قد أقبل في فتية من بني مخزوم فوضعوا عمار وأبويه في الحديد، وأشعلوا في دار ياسر النار. وتفنن أبوجهل ونفر من سادة قريش وعبيدهم بتعذيب هؤلاء، يخزّونهم بالرماح والخناجر، يلهبونهم بالسياط، يعبثون بأجسادهم وهم يتضاحكون ويتصايحون، يطرحونهم أرضا، يحرّقونهم بالنار، يلقون عليهم الأحجار الثقال .. يسكبون عليهم الماء، وأبو جهل ينتظر متحرق النفس أن يسمع من أحدهم صيحة أو أنة أو شكاة.

ويمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرهط المعذبين، فيسمع المشركون صوت ياسر لأول مرة من يومهم ذاك، يقول:

· ... الدهر هكذا يا رسول الله، قال رسول الله:

· ... أبشروا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.

وتقول سمية، أشهد أنك لرسول الله، وأشهد أن وعدك الحق.

ويفقد أبو جهل أعصابه ويقول: لتذكرنّ محمدا بسوء أو لتموتن .. وتجيب سمية:

بؤسا لك ولآلهتك.

وأخرج الحنق أبا جهل عن طوره فجعل يضرب في بطن سمية برجله .. ثم يطعنها بحربة كانت بيده، فتشهق شهقة خفيفة ثم تكون أول شهيدة في الإسلام.

وسجلت سمية بنت خياط سبقها على رهطها .. وعلى أخواتها المسلمات .. آمنت بالله ورسوله وما كان لإيمانها أن تهزه الرياح العواتي، وثبتت في ميدان الجهاد كالجبال الرواسي، وتقدمت إلى ميدان الشهادة باطمئنان وتسليم واستعلاء. وهي تنظر إلى العلاء إلى بشارة النبي صلى الله عليه وسلم: إن موعدكم الجنة.

أم شريك القرشية العامرية

لم تكد المرأة المسلمة تجاهر بعقيدتها بعد إعلان الدعوة، وتتحرر من أسباب الكبت والتستر والحصار، وتخرج إلى دنيا الجهاد والعمل، حتى تكالبت عليها قوى الكفر في شراسة الوحوش الضارية لتفتنها عن دينها وتتفنن في تعذيبها فما زادها ذلك إلا ثباتا في الحق وتشبثا به.

فلم ترتد بعد إيمانها ولا ارتابت بعد تصديقها .. وإذا كان بعض الرجال نطق بكلمة الكفر ليتقي بها العذاب .. فإن امرأة واحدة لم تفعل ذلك ..

كانت سمية في طليعة هؤلاء المعذبات في الله .. وكانت أول شهيدة في الإسلام. ومن المعذبات: حمامة أم بلال بن رباح، وجارية لبني عدي بن كعب. ولبيبة جارية بني المؤمل، والهندية وابنتها، وزنيرة الرومية. كن جميعا يلبسن أدرع الحديد ويطرحن في رمال الشمس المحرقة ثم يسلمن إلى زبانية الدماء.

وكان من هذا الرهط الكريم أم شريك القرشية العامرية التي راحت تدخل على نساء قريش سرا تدعوهن إلى الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة فأخذوها وحملوها على بعير ليس تحته شيء موطأ ثم تركوها ثلاثا لا يطعمونها ولا يسقونها وكانوا إذا نزلوا، أوقفوها بالشمس واستظلوا، وحبسوا عنها الطعام والشراب. وهكذا استهونت المرأة المسلمة الآلام والعذاب في سبيل الله وفي سبيل العقيدة .. موقنة بالنصر والعزة في الدنيا والشهادة والجنة في الآخرة ( [8] ) .

فاطمة بنت الخطاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت