فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 88

أخرج ابن سعد عن أنس رضي الله عنه قال: خرج عمر رضي الله عنه متقلدا السيف فلقيه رجل من بني زهرة قال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا. قال: أفلا أدلك على ما هو أعجب من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أختك وختنك قد صَبَوا وتركا دينك الذي أنت عليه. قال: فمشى عمر ذامرا (متهددا) حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خبّاب. قال: فلما سمع خبّاب حسّ عمر توارى في البيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟ فلعلكما قد صبوتما. فقال له ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطأه وطأ شديدا، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها بيده نفحة فدمّى وجهها. فقالت: -وهي غضبى- يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. قال عمر: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه. فقالت أخته: انك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ ( [9] ) .

وهذه لوحة أخرى يذكرها المؤرخون وكتّاب السير عندما يتكلمون عن إسلام عمر، الرجل القوي الذي اعتز الدين بإسلامه، والذي كان لا يسلك شعبا إلا وسلك الشيطان شعبا آخر .. لوحة تضم فاطمة بنت الخطاب .. المرأة التي دافعت عن زوجها المؤمن (سعيد بن زيد) ، وتقول لأخيها بكل قوة: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك، وتتحمل الضرب والإهانة ولا تتنازل عن دينها .. وعندما أراد أخوها تناول الصحيفة أبت وقالت: بل أنت رجس.

وأدرك عمر أن المعنى الذي أحال فاطمة بنت الخطاب إلى ما صارت إليه، من القوة والبأس بحيث تردعه وتأبى عليه .. بل وتأمره بأن يتطهر إن أراد قراءة الصحيفة .. لمعنى عظيم. فرأى في نفسه الجبارة في الجاهلية، تستسلم لقوة أخته المسلمة وليس بدعا هذا .. فالحق غلاب .. والإسلام أغلب.

وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو أن ينصر الله الإسلام بأحب العمرين إليه، فإن مفتاح إسلام عمر كان أخته فاطمة بنت الخطاب والفضل لمن سبق.

أسماء ذات النطاقين

أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة. {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين} ( [10] ) .

وخرج المهاجران نبي الله وصاحبه أبو بكر إلى غار ثور ليمكثا فيه ثلاث ليال، حتى إذا خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى، استأنف المهاجران طريقهما إلى المدينة.

كانت أسماء بنت أبي بكر عنصرا رئيسا في ترتيب الرحلة المباركة. حتى إذا مضت الثلاث، أتتهما بسفرة من الطعام يتبلغان بها في سفرهما، ولكن الوقت أعجلها أن تجعل للسفرة عصاما (علاقة) تعلقها به في الرحل. فلم تجد غير نطاقها، فشقته نصفين، فعلقت السفرة بشق منه، وتنطقت هي بالشق الآخر، فسمّيت من يومها (أسماء ذات النطاقين) ( [11] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت