فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 88

وذهب الاسم خالدا على الدهر، فإذا كانت صاحبته شابة صغيرة إلا أنها تحفظ السر، وترتب السفرة، وتمشي وحيدة إلى غار ثور، تكلأ الرفيقين بالرعاية والعناية، وتتصرف عندما نسيت العصام تصرّف الداعيات الحريصات الذكيات.

وحدثت أسماء فقالت: لما خرج المهاجران أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟

قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي. قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدّي لطمة طرح منها قرطي ( [12] ) .

وأبو جهل عظيم قريش وجبّارها، والمتآمر الأول على الدعوة وقائدها، نال منه المسلمون المستضعفون كما لم ينالوا من غيره، ولم ينسوا بعد كيف سقطت بيده سميّة، وبعدها ياسر زوجها شهيدين يشهدان ظلم الطاغية .. ومع ذلك تقف أسماء الصغيرة أمامه، وتحفظ سرّ المهاجرين، وتتحمل الإيذاء والضرب .. فلا يضرها ذلك مادام في سبيل الله، ومادامت تعلّم أخواتها الداعيات على مرّ الأيام كيف يتصرفن ويتحملن ويصبرن في مواجهة الطاغوت.

وتحدث أسماء فتقول إن أبا بكر احتمل معه ماله كله .. فدخل علينا جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: قلت: كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. قالت: فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليه ثوبا، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس.

وتضيف أسماء: ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك.

والإنسان ليعجب، كيف استطاعت هذه الشابة أن تتصرف هذا التصرف العاقل. من أين أتتها كل هذه الحكمة؟ فكرت كيف تهدّأ الشيخ، ولم تفكر من أين تأكل أو تشرب. ولكنها تربية أبي بكر، القريب من بيت النبوة، ولا غرابة بعد ذلك فيما يصدر عن أسماء من عقل راجح، وحكمة بالغة، وتصوّر للأهداف البعيدة، واستعلاء على تفاهات الدنيا، والتعلق بالآخرة ..

ويخرج نعيم بن حمّاد في (الفتن) عن ضمام: أن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما أرسل إلى أمه أن الناس قد انفضوا عني وقد دعاني هؤلاء إلى الأمان. فقالت:

إن خرجت لإحياء كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فمت على الحق، وإن كنت إنما خرجت على طلب الدنيا فلا خير فيك حيا ولا ميّتا ( [13] ) .

واللوحة التي نحن بصددها تصور موقف أسماء مع ابنها عبد الله بن الزبير فلقد استشهد الزبير أيام حرب الجمل، وبقيت أسماء بعده، تتعزى عن فقده بولدهما عبد الله .. والفتن متلاحقة، ظلمات بعضها فوق بعض، استشهد علي وبعده الحسين رضي الله عنهما .. ووصل الدور إلى عبد الله بن الزبير الذي احتمى بالكعبة من جور الحجاج، ولما أحاط الحجاج ومعه جند الشام ببيت الله الحرام وتفرق الناس عن عبد الله، دخل على أمه فقال:

يا أماه قد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ولم يبق معي إلا اليسير، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت