فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 88

يا بني أنت أعلم بنفسك، فإن خرجت لإحياء كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمت على الحق، وإن خرجت في طلب الدنيا فلا خير فيك حيا ولاميتا، وإن قلت: كنت على الحق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين. قال:

· ... يا أماه أخاف أن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني. قالت: إن الشاة لا يهمها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك واستعن بالله. فقبّل رأسها وقال:

· ... هذا رأيي، والذي قمت به داعيا إلى يومي هذا ما ركنت إلى الدنيا وما أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرماته ولكني أحببت أن أعلم رأيك فقد زدتني بصيرة، فانظري يا أماه فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتدّنّ حزنك وأسلمي الأمر لله. فقالت له أمّه:

· ... إني لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلا، إن تقدمتني احتسبتك، وإن ظفرت سررت بظفرك، اخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك. فقال:

جزاك الله خيرا، فلا تدعي الدعاء لي. قالت:

· ... لا أدعه أبدا. ثم قالت:

· ... اللهم ارحم طول ذاك القيام في الليل الطويل، وذاك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة، وبرّه بأبيه وبي. اللهم قد أسلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فأثبني فيه ثواب الصابرين الشاكرين.

ثم أقبل عبد الله على القتال حتى قتل، فصلبه الحجاج على جذع فوق الثنية ثم أرسل إلى أمه أسماء، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول:

لتأتينّي أو لأبعثنّ إليك من يسحبك من قرونك. فأبت وقالت:

· ... والله لا آتيه حتى يبعث إليّ من يسحبني من قروني. فقال الحجاج:

· ... أروني مكانها، ثم انطلق حتى وقف عليها فقال:

· ... كيف رأيت، نصر الله الحق وأظهره. فقالت:

· ... ربما أديل الباطل على الحق وأهله، وإنك بين فرثها والجنة. فقال:

إن ابنك ألحد في هذا البيت، وقد قال تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} ( [14] ) ، وقد أذاقه الله ذلك العذاب الأليم. قالت:

· ... كذبت، كان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة وسرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحنكه بيده وكبّر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحا به، قد فرحت أنت وأصحابك بمقتله، فمن كان فرحه يومئذ بمولده خير منك ومن أصحابك، وكان مع ذلك برا بالوالدين قواما بكتاب الله معظما لحرمة الله يبغض من يبغض الله عز وجل، أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لسمعته يقول:

يخرج من ثقيف كذاب ومبير، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا أخالك إلا إياه. فقام عنها الحجاج ولم يرجع.

ثم أنزل ابنها عبد الله فأتي به أسماء فغسلته وطيبته وحنطته ثم دفنته رضي الله عنها ( [15] ) .

وهذه اللوحة العظيمة، لامرأة عظيمة، تحتاج من الكتّاب أن يكتبوا حولها سفرا كاملا .. فهيهات أن تجد في تاريخ الأمم الأخرى مثل هذه الحكمة، والقوة، والشجاعة، والصبر، والإيمان. في مثل هذا الموقف العصيب تقف الأم مع فلذة كبدها شامخة لا تبالي، إلا بنصرة الإسلام: (إن خرجت في طلب الدنيا فلا خير فيك حيا ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت