فهرس الكتاب
وهذه لوحة أخرى .. لامرأة مسلمة تخشى الله وتراقبه .. طال عهدها بزوجها، وقد خرج مجاهدا في سبيل الله، مع الجيوش التي انطلقت تحرر إرادة الإنسان من جور الطغيان. تتقلب في فراشها، وتتذكر زوجها. ولكن أين هو منها وقد اشتاقت إليه، وامتلأت نفسها رغبة فيه .. أين الرجل الذي يملأ عليها فراغها، ويسدّ جوعتها، وتتقلب سعيدة في نعمائه ..
ويسمع عمر رضي الله عنه صوتها .. ويحس لوعتها ورغبتها .. فيسألها: أردت سوءا وتجيب معاذ الله .. إنها أبدا الراعية لنفسها، الأمينة على شرفها وشرف زوجها، الحافظة بالغيب على عهدها وعهد وليها.
{ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} ( [16] ) .
هذه هي المرأة المسلمة الصابرة القانتة الحافظة للغيب التي أوحت لعمر ابن الخطاب بتشريع إجازات الجنود .. فقد كتب عمر بعد هذه الحادثة إلى قواد جيوشه بأن لا يحبسوا الجيوش فوق أربعة أشهر.
أم عمارة نسيبة بنت كعب تدافع عن النبي يوم أحد
ذكر ابن هشام عن سعيد بن أبي زيد الأنصاري رضي الله عنه: (أن أم سعد بنت سعد بن الربيع رضي الله عنهما كانت تقول: دخلت على أم عمارة رضي الله عنها فقلت لها: يا خالة، أخبريني خبرك. فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء. فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين. فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خَلَصَت الجراح إلي. قالت: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غَوْر، فقلت لها: من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قَمِئة، أقمأه الله. لمّا ولّى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلّوني على محمد، لا نجوتُ إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير رضي الله عنه وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدوَّ الله كانت عليه درعان) .
وهذه لوحة جديدة بطلتها الأخت المجاهدة أم عمارة، وهي نسيبة بنت كعب الأنصارية التي اشتركت في غزوة أحد .. تمرض الجرحى في بداية المعركة .. ثم تذبّ بالسيف وترمي بالقوس، وهي إحدى العشرة الذين تولوا حماية الرسول صلى الله عليه وسلم وقد انفض المسلمون من حوله فكانت من أظهر القوم في الدفاع عنه حتى قال صلى الله عليه وسلم: (ما التفت يمينا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني) .
وأم عمارة هي واحدة من رهط كريم أوقفن حياتهن على خدمة الدعوة ..
· ... ففي العقبة كانت أم عمارة ممن بايعن الرسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره .. ومن يومها ذاك ما نكثت عهدها ولا نقضت بيعتها ... بل وجددت هذه البيعة يوم الحديبية فقد كانت ممن اشتركن في بيعة الرضوان.
· ... في أُحد جاءت تسعف الجيش وتضمّد الجراح وتسقى العطاش، وإذا بالأمر يقتضي التدخل بالسلاح، فكانت أسرع القوم تصول وتجول بين يدي الرسول .. حتى إن الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يدعو ربّه فيقول: (اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة) .
· ... اشتركت في معظم المعارك إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
· ... وحاربت المرتدين واشتركت في حرب مسيلمة الكذاب حيث جاهدت أعظم جهاد وجرحت أحد عشر جرحا وقطعت يدها وقتل ولدها ... رضي الله عنهم أجمعين.