فهرس الكتاب
ولم تكن أم عمارة إلا نموذجا لأخواتها الداعيات اللواتي خضن معارك الإسلام، واحدة بعد الأخرى .. بكل صدق اليقين، وكمال الغيرة على الدين، وحرصها أن لا تحرم من شرف الجهاد مع المسلمين، لتنال فخر المجاهدين وأجر الصابرين.
نساء غفار يداوين جرحى المسلمين
أخرج ابن إسحاق عن امرأة من بني غفار قالت: أتيتُ رسول اللهصلى الله عليه وسلمفي نسوة من بني غفار فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى خيبر، فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال: على بركة الله. قالت: فخرجنا معه، قالت: وكنت جارية حديثة السن، فاردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم (على) حقيبة رحله. قالت: فوالله! لنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح (وأناخ) ونزلت عن حقيبة رحله. قالت: وإذا بها دم منّي وكانت أول حيضة حضتها. قالت: فتقبضّت إلى الناقة واستحييتُ. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي، ورأى الدم قال: (مالك لعلك نَفِسْتِ) قالت: قلت: نعم. قال: (فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء، فاطرحي فيه ملحا، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك. قالت: فلما فتح الله خيبرا أعطانا رسول الله من الفيء، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي، فأعطانيها وعلّقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدا( [17] ) .
وهذه لوحة أخرى، سجلتها المرأة المسلمة، وهي تساهم في بناء صرح الدعوة الإسلامية الأولى. لم تعد تكتفي بما تقوم به النساء عادة من رعاية الزوج وتنشئة الأبناء والقيام بشؤون البيت .. فبعد أن أعطاها الإسلام حقها وبدأت تستشعر إنسانيتها وكرامة موقفها ما عادت تقبل أن يسبقها الرجل حتى في ميادين القتال.
وهؤلاء مجموعة من المسلمات يطلبن من رسول الله مرافقة الجيش الزاحف نحو خيبر .. يداوين الجرحى ويعنّ المسلمين بما يستطعن .. وأختنا المسلمة عندما ارتقت اهتماماتها وارتفعت مسؤولياتها في بناء مجتمعها ما عادت تعبأ بصغائر الأمور، فها هي تحيض في الطريق، ولا تعبأ!، ولا يقعدها ذلك عن متابعة رسالتها في مداواة الجراح وإعانة المقاتلين .. كل ما يهمها: المشاركة .. والوسام الذي قلده لها رسول الله .. (قلادة علقها بيده في عنقي فوالله! لا تفارقني أبدا) .
أتردون على رسول الله أمره .. ؟
عن أنس بن مالك قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم على جليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، قال: حتى أستأمر أمها، فذهب إلى امرأته فذكر ذلك لها، فقالت: لا والله إذا، وقد منعناها فلانا وفلانا. قال: والجارية في سترها تسمع، فقالت الجارية: أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟! إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه. قال: فكأنها حلت عن أبويها، فقالا: صدقتِ، فذهب أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن رضيته لنا رضيناه. فقال: إني أرضاه. فزوجها. ففزع أهل المدينة (استغيث بهم) ، وخرجت امرأة جليبيب فيها، فوجدت زوجها وقد قتل وتحته قتلى من المشركين قد قتلهم. قال أنس: فما رأيت بالمدينة ثيبا أنفقَ منها ( [18] ) .
هذه لوحة رائعة .. تمثل قصة جليبيب الذي رفض المسلمون تزويجه لسواد لونه .. ويختار له رسول الله شابة جميلة تقدم لخطبتها الكثيرون فرفضتهم. وصعب الأمر على والد الفتاة ووالدتها .. ولكن الشابة المسلمة التي كانت تدرك بعمق معنى تنفيذ أمر رسول الله .. قالت: أتردون على رسول الله أمره .. ؟