فهرس الكتاب
قد عرفت، أبو ولدي وابن عمّي وأحب الناس إليّ، وقد عرفت ما يصيبه من اللمم، وعجز مقدرته وضعف قوته وعيّ لسانه. وأحق من عاد عليه أنا بشيء إن وجدته وأحق من عاد عليّ بشيء إن وجده هو، وقد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا. قال: أنت عليّ كظهر أمي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا قد حرمت عليه. فجادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرارا ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك شدة وجدي وما شقّ عليّ من فراقه. اللهم أنزل على لسان نبيك ما يكون لنا فيه فرج. قالت عائشة: فلقد بكيت وبكى من كان معنا من أهل البيت رحمة لها ورقة عليها، فبينما هي كذلك بين يدي رسول الله تكلمه، وكان رسول الله إذا نزل عليه الوحي يغطّ في رأسه ويتربّد وجهه وتجد بردا في ثناياه ويعرق حتى يتحدر منه مثل الجمان. وسري عن رسول الله وهو يبتسم فقال: قد أنزل الله فيك وفيه. ثم تلا عليها: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} . ثم قال: مريه أن يعتق رقبة. فقالت: وأي رقبة! والله ما يجد رقبة وماله خادم غيري. ثم قال: مريه فليصم شهرين متتابعين. فقالت: والله يا رسول الله ما يقدر على ذلك. قال: فمريه فليطعم ستين مسكينا. قالت: وأنّى له هذا؟ قال فمريه فليأت أم المنذر بنت قيس فليأخذ منها شطرَ وسْق تمرا فيتصدق به على ستين مسكينا. فنهضت فترجع إليه فتجده جالسا ينتظرها فقال: يا خولة ما وراءك؟ قالت: خيرا .. قد أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأتي أم المنذر فتأخذ منها شطر وسق تمرا فتصدق به على ستين مسكينا ( [22] ) .
هذه هي خولة بنت ثعلبة .. يقع عليها ظلم .. هو من بقايا الجاهلية .. فتهرع إلى رسول الله لتجد عنده الحل .. وعندما قال لها رسول الله: ما أراك إلا قد حرمت عليه .. قالت: يا رسول الله إلى الله أشكو .. فيسمع الله شكاتها وينزل فيها قرآنا يعطيها حقها .. ويريح بالها وبال زوجها .. ويرسم للمسلمين الطريق في مثل هذه المشكلة العائلية.
لم تعد المرأة التي تمثلها هنا خولة بنت ثعلبة .. أنثى فينظر إليها المجتمع على أنها من سقط المتاع .. بل عضو مهم في المجتمع .. إذا وقع عليها ظلم رفعت أمرها إلى رسول الله .. ثم إلى الله .. والله يسمع حوارها ويتكرم فيحكم في أمرها ..
في خلافة عمر .. وقف طويلا معها يسمع كلامها .. فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز .. ؟ فقال: ومالي لا أقف .. إنها خولة .. أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمع عمر؟
زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تجير أبا العاص
خرج أبو العاص بن الربيع إلى الشام في عير لقريش، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تلك العير قد أقبلت من الشام، فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب، فلقوا العير بناحية العيص، فأخذوها وما فيها من الأثقال وأسروا ناسا منهم أبو العاص بن الربيع. فلم يعد أن جاء المدينة، فدخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسحر -وهي امرأته- فاستجارها فأجارته، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، قامت على بابها فنادت بأعلى صوتها: إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال: فوالذي نفسي بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت الذي سمعتم، المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم، وقد أجرنا من أجارت. فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله، دخلت عليه زينب فسألته أن يرد على أبي العاص ما أخذ منه، ففعل وأمرها أن لا يقربها، فإنها لا تحل له مادام مشركا. ورجع أبو العاص إلى مكّة فأدّى