فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 373

إن أول من شهرت أخبارها عاتكة بنت معاوية، مؤسس الدولة الأموية. إنه معاوية الذي فاقت أخبار دهائه وحزمه وسياسته كل شيء آخر، ولكن ابنته لم تكن بمنجاة من العشق والغرام، وفارس هذه الأميرة قرشيٌ من أجمل الناس وأحسنهم، كما تقول الرواية، وتصف اللقاء بينهما على النحو التالي:"حجت عاتكة بنت معاوية، فبينا هي جالسة ذات يوم وقد اشتد الحر، وانقطع الطريق، إذ أمرت جواريها، فرفعن الستر وهي جالسة مجلسها، وعليها شفوف لها، تنظر إلى الطريق، إذ مر بها أبو دهبل، وكان من أجمل الناس وأحسنهم، فوقف طويلًا ينظر إليها، وإلى جمالها، وهي غافلة عنه، فلما فطنت له سترت وجهها، وأمرت بطرح الستر، فقال فيها:"

إنّي دعاني الحَيْنُ فاقتادَني ... حتى رأيتُ الظبيَ بالبابِ

يا حُسْنَهُ إذ سبَّني مُدبِرًا ... مسْتَتِرًا عنّي بِجِلبابِ

سبحان من وقفها حسرة ... صب على القلب بأوصاب

يذودُ عنها إن تطلبتها ... أبٌ لها ليسَ بوهَّابِ

أَحلَّها قصرًا منيعَ الذُرى ... يحمى بأبوابٍ وحُجَّابِ [1]

وعندما سمعت عاتكة الأبيات تغنى وتشتهر، ضحكت وأعجبتها وبعثت إليه بكسوة وجرت الرسائل بينهما، حتى علم معاوية وقرأ الأشعار التي أرسلها إليها. فأراد يزيد أن يرسل له أحد عماله بمكة فيقتله، فحذره معاوية من فعلته، ولجأ إلى أسلوب آخر، فكان يصله دائمًا بأموال، ويأخذ عليه العهود، على أن يترك أمر ابنته عاتكة. ولكن جهوده تذهب سدىً، حتى اضطر معاوية أخيرًا أن يذهب إلى مكة بحجة أن يحج، ويتفق مع أبي دهبل على تزويجه إحدى بنات عمه [2] . وقال فيها أيضًا:

طالَ ليلي وَبِتُّ كالمجنونِ ... واعترتني الهمومُ بالماطرونِ

صاحَ حَيّا الإلهُ حَيًّا ودورًا ... عند أصلِ القناةِ من جيرونِ

فلتلكَ اغتريتُ في الشامِ حتى ... ظنَّ أهلي مُرْجَماتٍ الظنونِ

وَهْيَ زهراءُ مثلُ لؤلؤةٍ الغوّاص ... مِيزَتْ من جوهرٍ مَكنونِ

(1) المصدر السابق: 6/158.

(2) مقدمة ديوان أبي دهبل:19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت