فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 373

وتشير الأخبار إلى أنهن أحببن ذلك من الشعراء، بل سعين إليه سعيًا، فعندما حجت أم محمد بنت مروان بن الحكم، وقضت نسكها، أتت عمر بن أبي ربيعة، وقد أخفت بيتها في نسوة فحدّثها مليًا، فلما انصرفت أتبعها رسولًا عرف موضعها، وسأل عنها حتى أثبتها، فعادت إليه بعد ذلك، فأخبرها بمعرفته إياها، فقالت نشدتك الله ألا تشهرني بشعرك، وكأنها تحرضه بهذه العبارة على قول الشعر فيها وبعثت إليه ألف دينار، فقبلها وابتاع لها حللًا وطيبًا، فأهداه إليها، فردته، فقال لها: والله لئن لم تقبليه لأنهبنه، فيكون مشهورًا، فقبلته ورحلت [1] . ومما قاله فيها:

أيُّها الرائحُ المُجِدُّ ابتكارًا ... قد قضى من تِهامةَ الأَوطار

مَنْ يكنْ قلبُهُ صحيحًا سليما ... ففؤادي بالخيفِ أَمسى مُعارا

ليتَ ذا الحجَّ كانَ حتمًا علينا ... كلَّ شهرينِ حَجَّةً واعتمارًا [2]

ولما قدمت فاطمة بنت عبد الملك، مكة وجعل عمر يدور حولها، ويقول فيها الشعر، لكنه لم يذكر اسمها خوفًا من عبد الملك والحجاج [3] ، فلما قضت حجها وارتحلت أنشأ يقول:

كدتُ يومَ الرحيلِ أَقضي حياتي ... ليتني متُّ قبلَ يومِ الرحيلِ

لا أُطيقُ الكلامَ من شدّةِ الوجـ ... د ودمعي يَسيلُ كلّ مَسيلِ

ذَرَفَتْ عينُها ففاضتْ دموعي ... وكلانا يَلْقَى بِلُبَّ أَصيلِ

لو خَلَتْ خُلّتي أصبتُ نُوالًا ... أو حديثًا يشفي مع التنويلِ

ولقد قالتِ الحبيبةُ: لولا ... كثرةُ الناسِ جُدْتُ بالتقبيلِ [4]

ويقول فيها أيضًا:

شاق قلبي تذكُّرُ الأحباب ... واعترتني نوائب الأطرابِ

ياخليليَّ فاعلما أن قلبي ... مسْتهامٌ بربةِ المحرابِ

علَّق القلبُ من قريش ثقالًا ... ذات دلٍ نقية الأثوابِ

ربّةً للنساء في بيت مَلْكٍ ... جدُّها حَلَّ ذروة الأحسابِ

(1) الأغاني: 1/69.

(2) ديوان عمر: 493.

(3) مقدمة ديوان عمر: 50.

(4) ديوان عمر: 337.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت