فهرس الكتاب
وكان للمرأة خارج قصور الطبقة العليا، سجل حافل دونه شعراء الحجاز، وأكدوا فيه ارتباط الحياة بالمرأة والحب معًا، فبينت أشعارهم الحاجة إلى المرأة من أجل الحياة المتكاملة، فأحبوا المرأة وأحبوا الحياة. وأقبلوا عليهما معًا يحققون بهما ضربًا من التكامل النفسي، وينشغلو عن الأمور المهّمة التي حيل بينهم وبينها، وتسربت من بين أيديهم بسبب السياسة الأموية التي أبعدتهم عن الأعمال الأساسية في الدولة الجديدة، بعد أن كانوا ركيزة الحياة الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فأصبحوا فارغين إلاّ من طلب لذاذات العيش ولاسيما الحب والمرأة.
وتميزت بعض النساء بالقوة والثقافة والعقل، فكن يقابلن الرجال، ويتحادثن معهم في أمور الثقافة والأدب والفن، ونلحظ أن غالبية النساء كن واثقات بأنفسهن وثقافتهن، وكن يعملن على تدعيم تلك الثقة بلقاء الشعراء والتحادث معهم، فنطالع أخبار"امرأة برزة جزلة، كانت تقيم ندوة ثقافية في دارها، يجتمع إليها الرجال. وكان أبو دهبل لا يفارق مجلسها مع كل من يجتمع إليها، وكانت توصيه بحفظ ماكان بينهما وكتمانه، فضمن لها ذلك، فوقفت عليه زوجته، فدست إليها امرأة داهية من عجائز أهلها خربت ماكان بينهما، وكانت السبب في امتناعها عن مجلسها واحتجابها ومنع كل من كان يجالسها من المصير إليها [1] . وذلك لأنه خان ثقتها به، بعد أن انطلت عليها حيلة العجوز."
وكذلك كانت كثيرة كفيلة عبيد الله بن قيس الرقيات في أزمته الشديدة.
ولم تكن خرقاء صاحبة ذي الرمة بأقل من هؤلاء مكانة ومهابة وثقافة.
وأصبحت المرأة هي التي تبرز للشعراء، وتطالب بوصفها، كما حدث مع المتوكل الليثي:
عندما أتاه غلام له، قال له بالباب امرأة تدعوك، فخرج إليها، وسفرت عن وجهها فإذا الشمس طالعة -كما يقول الخبر، وعندما سألها عن حاجتها قالت:
بلغني أنك شاعر، فأحببت أن تشبب بي في شعرك، فكرر طرفه في وجهها ثم قال:
(1) الأغاني: 6/155.