فهرس الكتاب
وكذلك نلتقي ليلى صاحبة المجنون هي ورفيقاتها يتحدثن إليه، وكان أكرمهن ونحر لهن ناقته، وظل يحدثهن بقية يومه، فبينما هو كذلك، إذ طلع عليهن فتى عليه بردة من برود الأعراب، فلما رأينه أقبلن عليه، وتركن المجنون، فغضب وخرج من عندهن [1] .وكانت العرب ترى غير منكر أن يتحدث الفتيان إلى الفتيات [2] .
ولعل موقف الجارية التي حزنت على النساء بعد وفاة عمر بن أبي ربيعة، خير شاهد على ماوصلت إليه المرأة في العصر الأموي، فهي تندب حظها وحظ النساء من بعد عمر بن أبي ربيعة، وتقول وهي تبكي: من لمكة وشعابها وأباطحها ونزهها ووصف نسائها وحسنهن وجمالهن؟ فقيل لها: خفّضي عليك، فقد نشأ فتى من ولد عثمان يأخذ مأخذه، ويسلك مسلكه، فضحكت وقالت:
الحمد لله الذي لم يضيع حرمه [3] .
وكان شعراء الحجاز قد عبروا عن ذلك بتعدد حكايات الغرام، وكثرة النساء والأسماء في أشعارهم، والتركيز على صورة المرأة التي تبادلهم الحب، وتتصرف بأمور قلبها وعشقها، فترسل طالبة اللقاء، أو تدبر معرضة من غير حساب لقلب من ينتظر، وتعاتب وترضى وتصرم وتتودد. فصوروها بكل أحوالها النفسية، راضية وساخطة، عاشقة وكارهة. وأكثر من جسد ذلك في شعره عمر بن أبي ربيعة، وحديث الرسل في شعره له دلالات حضارية مهمة، إذ ظهرت طائفة من هؤلاء الوسطاء الذين يقربون بين المرأة والرجل، ويتميزون بالذكاء والفطنة واللسان الرقيق، فيذللون الصعاب، ويرققون النفوس، وينتهي على أيديهم كل خصام إلى ما يرتضون ويتمنون. يقول في ذلك:
أَرسلَتْ نحويَ الرسولَ لألقا ... ها فأرسلتُ عند ذاكَ بأَنْ لا
لستُ أسطيعُ للرسولِ وأيقنـ ... ت يقينًا بلومِها حينَ ولّى
رَجَعَتْه إليّ لمّا أَتاها ... وبأَيمانِها عليَّ تألَّى
قالَ: أمْسَتْ عليكَ عبدةٌ غضبى ... عزَّ ذاكَ الغداةَ منها وَجَلاَّ [4]
(1) المصدر السابق: 1/171.
(2) المصدر السابق: 1/183.
(3) المصدر السابق: 1/154.
(4) ديوان عمر: 364.