فهرس الكتاب
ضمن هذه الشروط الاجتماعية عاشت المرأة في البادية، فلم تظفر بما ظفرت به أختها الحضرية من التحرر الاجتماعي، ولم تُتح لها الفرصة للتعبير عن حياتها ونفسها تعبيرًا مباشرًا، وإنما انعكست حياتها في رأي الشاعر العذري وفكره، وبدت"ضرورة لاغنى عنها، ورفعت إلى مستوى المثال وبولغ في تقديرها" [1] ، فكانت موضوعًا لهؤلاء العذريين ومحورًا لإبداعاتهم بل كانت ملهمًا لهذا الشعر ومحرضًا عليه. وقد مثل هؤلاء الشعراء نوعًا من"المواجهة"بين الحب وتقاليد المجتمع ومفهوم ذلك المجتمع عن الحب" [2] كما سنرى، فقد كانت المرأة شديدة المنعة في هذا المجتمع، وعلى من يحبها أن يحسب ألف حساب، لأن خبر حبه لها يعني نهاية قصة الغرام، وبداية اليأس والتعاسة. وتكشف قصص هذا الحب -على الرغم مما بينها من فروق- عن تجارب عاطفية مخفقة، لا تشذّ عن ذلك قصة واحدة."
فنحن في كل قصة نرى شاعرًا تغنى بحبه، فكان نصيبه منه الحرمان، وظل بقية أيامه يردد أغنية الحب الأولى ويتذكرها، ويبث عبر الذكرى أمنياته، ويبوح بسريرة نفسه، ويتجه بشكواه وذكراه إلى المرأة التي أحبها متوسلًا ومتضرعًا عسى أن يكون وراء كربه وغُمته الفرج القريب.
لكن هل أصغت محبوبات هؤلاء الشعراء إلى شكواهم؟ ومامدى استجابتهن لها؟ وماذا فعلن من أجل هذه العلاقة العاطفية؟
نستطيع تصور المرأة في شعر الحب العذري امرأة مكبلة بكبولٍ ثقيلة جدًا من أعراف البيئة وتقاليدها وقيمها الأخلاقية السائدة. فليس تسمح لها هذه العادات بالتفكير مفردة أو بالتحرك خارج نطاق أسرتها. وأكبر دليل على هذا أن هؤلاء المحبوبات قد تزوجن خارج تجربة العشق التي أدت إلى اشتهارهن فكان قيد الزواج أكثر صلابة وغلظة من قيد المجتمع وعاداته، فكثر في ديوان الشاعر العذري الحديث عن الصد وعدم الاستجابة، يرد في شعر كثيّر قوله:
(1) سوسيولوجيا الغزل العذري: 82.
(2) في الشعر الإسلامي والأموي: 95.