فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 373

مقيمًا بمرورَوذَ لا أنا قافل ... إليها ولا تدنو إذا هي حَلَّت [1]

وتمنى بعض الأزواج لو كانت زوجاتهم من البدويات العربيات اللواتي يتميزن بالأصالة والأخلاق والفضائل الكريمة. وهم بذلك يهجون زوجاتهم الحضريات وينفرون من كثرة مشاكستهن ومخاصمتهن، بل ويعيرون هؤلاء الزوجات بأنهن لسن من البدويات الفاضلات. وممن لجأ إلى هذا الأسلوب الهجائي من الشعراء الفرزدق عندما خاصم زوجه النوار. قال:

لَعَمْري لأَعرابيّةٌ في مظلّةٍ ... تظلُّ بِرَوْقي بيتِها الريحُ تَخفقُ

كأمِّ غزالٍ أو كدّرَةِ غائصٍ ... إذا ما بدت مثلَ الغمامةِ تُشرقُ

أَحبُّ إلينا من ضِناكِ ضِفّنةٍ ... إذا رُفعتْ عنها المراويح تعرق

كبطيخة الزّراعِ يُعْجِبُ لونُها ... صحيحًا ويبدو داؤها حين تُفْلَق [2]

لم يكن المجتمع العربي يومئذ على الرغم مما أصابه من تحضر قد فارق بداوته، فقد ظلت روح البداوة تسري في عروقه، وظل حنينه إلى مثالية الصحراء حنينًا جارفًا، ولذا ظلت المرأة البدوية أعلق بنفوس الشعراء من أختها الحضرية. ونرى ذلك واضحًا لا في حديث الشعراء عن نسائهم فحسب، بل في الغزل الأموي كله، حتى في ذلك الغزل اللاهي الذي نما وازدهر في مدن الحجاز المترفة على نحو ما سنرى.

وما أكثر ما شعرت أولئك البدويات اللواتي تركن البادية بغربتهن في بلاد أزواجهن، وما أكثر ما أبدين التذمر والملل والكراهية من حياة المدنية المملة، فرشحت نفوسهن بما تكظم وانسالت أبياتًا في الحنين إلى البادية التي خرجن منها.

(1) شعراء أمويون: 327

(2) ديوان الفرزدق: 411 الروق: رواق البيت. المظلة: الخيمة. الضناك: الشديدة الضفنة: الحمقاء أي لم يظهر سوء خلق نوار إلا في التعامل معها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت