فهرس الكتاب
فهذا عبيد الله بن الحر وكان لأم ولد، يستنكر وضعه ويتمرد على مجتمعه ويتحول إلى الصعلكة ويعلن احتجاجه مبطنًا بأمنية لعله يحظى كرامة أبناء العربيات:
فإن تَكُ أُمّي من نساءٍ أفاءها ... جيادُ القنا والمرهفاتِ الصفائحِ
فتبًا لفضلِ الحُرِّ إن لم أَنَلْ بهِ ... كرائمَ أَولادِ النساءِ الصرائحِ [1]
وبسبب هذا الغض من مكانة أبناء السراري، حرم مسلمة بن عبد الملك الذي عرف بالتعقل والرزانة، الخلافة لأنه لأم ولد [2] . وظل أهل المدينة يكرهون أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأمهاتهم بنات آخر ملوك الساسانيين [3] .
وكانت الإماء والجواري كثيرات في المجتمع العربي منذ العصر الجاهلي الذي عرف نظام الرق من خلال الأسر أو السبي أو التجارة، وكانت هؤلاء الإماء أسهل وأيسر من النساء العربيات، فكثر الإقبال عليهن والتسري بهن وبلغن حدًا خلخل نظام المجتمع العربي وكيان المرأة العربية، واشتهرت طائفة من هؤلاء الجواري ممن تعلمن الغناء والعزف، وأصبحت لهن علاقات وثيقة جدًا بالخلفاء والحكام في دولة بني أمية واستطعن أن يفرضن وجودهن وذوقهن على العصر وأخلاقه، ومن أخبار الخلفاء وشغفهم بالجواري، أن عبد الملك خرج ذات ليلة فبصر في صحن داره جارية من جواريه أعزهن عليه وأحبهن فقال: ما أوقفك هذا الموقف؟ قالت: ذكرت قول الله تبارك وتعالى"الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنونهم"وإذا هاتف يهتف ويقول:
محجوبة سمعَتْ صوتي فَأرّقَها ... من آخرِ الليلِ لمّا بلَّها السَّحَرُ
تُدني على الجيدِ منها من معصفرةٍ ... والحليُ منها على لَبّاتها حصرُ
فقال عبد الملك لحاجبه: عليّ برأس الرجل الساعة، ثم استطاعت الجارية أن تخلصه [4] .
(1) الكامل 1/312
(2) العقد الفريد 6/130
(3) العقد الفريد: 6/128
(4) الأخبار الموفقيات: 191