فهرس الكتاب
وكان"هشام بن عبد الملك مشغوفًا بجارية يقال لها"صدوف"مدنية، اشتريت له بمال جزيل، فعتب عليها ذات يوم في شيء وهجرها وحلف ألا يبدأها بكلام، فدخل عليه الكميت وهو مغموم بذلك، فقال له: مالي أراك مغمومًا يا أمير المؤمنين؟ فأخبره هشام القصة، فأطرق الكميت وأنشأ يقول:"
أعتبتَ أم عتبتْ عليكَ صدوفُ ... وعتابُ مثلِك مثلها تشريفُ
فكانت سبب الصلح بينهما" [1] "
وعلى عكس ما كان شائعًا بين الخلفاء من إيثار الجواري والتعلق بهن، كان أمر الشعراء في العصر الأموي، وقليلًا ما تغزل شعراء هذا العصر بهن.
فهذا جرير يطري بعض الجواري من ساكنات المدن والأسواق، ويصف بعض ملابسها الرقيقة الشفافة:
جاريةٌ من ساكني الأسواقِ ... لبّاسةٌ للقُمُصِ الرّقاقِ [2]
وكان ليزيد بن مفرغ الحميري جارية تدعى أراكة، وكان يهواها وحصل أن ابتعد عنها، فتذكر أيامه معها بهذه الأبيات:
أمّا الأراكُ فكانت من محارمنا ... عيشًا لذيذًا وكانت جنّةً رغدا
كانت لنا جنّةً كنا نعيشُ بها ... نَغنى بها إن خشينا الأزلَ والنّكدا [3]
وللأحوص غزل بالجواري، وتذكر لأيام المحبة واللقاءات السعيدة:
هل تذكرينَ عَقيلٌ أو أنساكِه ... بعدي تَقَلُّبُ ذا الزمانِ المفسدِ
يومي ويومَكِ بالعقيقِ إذ الهوى ... منا جميعُ الشملِ لم يتبدّدِ [4]
لقد تتبعنا حديث المرأة الزوج في هذا الشعر ما وسعنا الجهد، فرصدنا أمرها يوم كانت تهم أو تحلم بدخول بيت الزوجية، ورصدنا حياتها في هذا البيت وما كان من أمر علاقتها بزوجها: حبًا ومودة كانت هذه العلاقة أو شجارًا وخلافات، ولم يبق أمامنا لنستكمل هذا الحديث إلا أن نتساءل عن وفاتها حين يطوي الموت ما كان منشورًا، فكيف برزت صورة الزوجة بعد وفاتها؟ وهل انقطعت بينها وبين الشاعر كل الأسباب؟
(1) الأغاني: 15/122
(2) ديوان جرير: 457
(3) ديوان يزيد بن مفرغ: ق14 الأزل: الضيق والشدة.
(4) ديوان الأحوص: ص35