فهرس الكتاب
إن مفارقة غريبة وقاسية وعجيبة تصدم الباحث وهو يتأمل هذا الموقف المهيب
ها هي ذي رفيقة العمر ترحل وترحل برحيلها قطعة غالية من العمر، وها هو الزوج ينفض من على منكبيه غبار السنين فتتردد أصداؤها قوية أو خافتة بين جوانحه، ولكنه على جلال الموقف وهيبته -يزّم شفتيه ويمضي كأن أمرًا لم يقع!!
أليست مفارقة عجيبة حقًا أن ينذر الشعراء جلّ حياتهم وأشعارهم منذ أول كلمة شعر يقرضونها إلى آخر قصيدة، وهم يتغنون بهذه المرأة، المرأة المثال الأكبر، والحقيقة الثابتة في حياتهم، يتناولونها في شعرهم رمزًا عامًا: للحياة والحب والمخاطر والموت، ثم نراهم عند موتها يخجلون من ذكرها، أو يستكثرون عليها بعض النشيد؟
إن الباحث ليحار في تعليل هذا حقًا؟ أهو مجتمع الذكورة الذي لا يليق به أن يظهر بعض ضعفه في لحظة الضعف الكبرى؟ وإذا كان هذا هو السبب، فلم أكثر هؤلاء الشعراء من الشكوى وأفرطوا فيها في محراب الحب؟ هل هي علاقة ملكية صرف عارية من الود والتراحم؟ لقد أراد الله لها غير ذلك"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"صدق الله العظيم" [1] ."
أهي طبيعة الحياة التي لا تعرف غير القسوة وعدم المبالاة حقًا ولا تؤمن بمنطق الالتفات إلى الوراء ولو قليلًا؟ من يدري؟ إنها دراية قاسية على كل حال فلا يكاد شاعر يذكر زوجه المتوفاة حتى يأتي بعبارة تدل على الحياء أو المداراة والخجل. هل في ذكر حبه لها بعد وفاتها ما يخجل؟!
هل في ذكر حزنه عليها منقصة وعار؟! لقد كان عمره كله هينًا رخيصًا مقابل نظرة حب ورضى من عينيها، فما الذي غيرّه كل هذا التغيير؟
وقد أحس"جرير"هذه الأحاسيس كلها فاندفع يتحدى هذا الموقف الغامض، ولكنه لم يجد مناصًا من ذكر الحياة الاجتماعية ومداراة تقاليد مجتمعه، يقول في رثاء زوجه:
لولا الحياءُ لعادَني استعبارُ ... ولزرتُ قبرَكِ والحبيبُ يُزارُ
(1) سورة الروم: الآية 20