فهرس الكتاب
ولَّهتِ قلبي إذ عَلَتْني كبرَةٌ ... وذوو التمائم من بينكِ صِغارُ [1]
وما من ريب أن في هذه القصيدة لوعة الحزن وحرقة الدمع ونبل الإنسان، ولكنه مع الحزن الجيّاش الذي اعترى نفسه والدموع الغزار التي عرفها قلبه، والمعاني الإنسانية النبيلة التي ألمّ بها، لم يلبث أن تحوّل بهذه القصيدة إلى نقيضة، فتحولت بذلك من غاية الحزن والأسى إلى أبشع صور الهجاء والشتم والسباب بينه وبين الفرزدق!!
وليس يستحق الموقف في نظر الفرزدق أدنى التفات أو اهتمام، بل هو الجفاء والغلظة وقسوة القلب، فكأن قلب هذا الشاعر قُدّ من حجر، فقد توفيت زوجه"حدراء"فلم يفتح الله عليه إلا بمثل هذا الشعر:
يقولونَ زُرْ حدراءَ والتربُ دونها ... وكيفَ بشيء وَصْلُهُ قد تقطّعا
وأَهونُ مفقودٍ إذا الموتُ نالَهُ ... على المرءِ منْ أَصحابِهِ مَنْ تَقَنَعا
وأهونُ رُزْءٍ لامرئٍ غيرِ عاجزٍ ... رزيّةُ مرتّجِ الروادفِ أَفرعا [2]
ولكننا لا نعدم أن نجد من يتعالى على الحياء والخجل، ويعلن أسفه وحزنه الشديد لفقد زوجته الحبيبة، ويتذكر ما كان من حسبها ومجدها وطيب معاشرتها ما هو جدير بالحزن والجزع والبكاء كما في رثاء الوليد بن يزيد لزوجه:
أَلّما تعلما سلمى أقامَتْ ... مضَمَّنَةً من الصحراءِ لَحْدا
لَعَمْرُكَ يا وليدُ لقد أجنّوا ... بها حَسَبًا ومكرمةً ومجدا
فلم أَرَ مَيّتًا أَبكى لعينٍ ... وأكثَر جازِعًا وأَجلَّ فقدا [3]
وأحيانًا، أحيانًا نادرة، تصفو النفس، ويضوع منها عبق إنساني فتّان، فيرقب الشاعر صغاره وقد أرمضهم اليتم وغالهم، فلا يملك إلا أن يسلم نفسه للبكاء والأسى تاركًا حزنه ينساب من غير أن يخجل أو يداري:
فو اللّه ما أدري إذا الليلُ جننَّي ... وذكَّرَنيها أيُّنا هوَ أَوجَعُ
(1) ديوان جرير: 862
(2) ديوان الفرزدق: 364
(3) ديوان الوليد بن يزيد: 32