فهرس الكتاب
وكان ابن جريج أكثر دماثة في تحذيره عندما قال:"ما دخل على العواتق في حجالهن شيء أضر عليهن من شعر عمر" [1] . وتحفل مصادر الأدب -ولا سيما الأغاني- بهذه الأخبار التي أكتفي منها بهذا الخبر ورد عن ظبية مولاة فاطمة بنت عمرو بن مصعب أنها قالت:
مررت بعبد الله بن مصعب وأنا داخلة منزله وهو بفنائه، ومعي دفتر ودعاني فجئته، وكان سألني ما هذا معك، فقلت شعر عمر بن أبي ربيعة فقال: ويحك تدخلين على النساء بشعر عمر، وإن لشعره لموقعا في القلوب ومدخلًا لطيفًا لو كان شعر يسحر لكان هو فارجعي به" [2] ."
وقد لاحظ الباحثون ما عرفته بيئة المدن الحجازية من التحرر، وبالغ به بعضهم حتى أوشك أن يجعل من القرن الثاني الهجري صورة من عصرنا الراهن، وحاول هؤلاء وأولئك تعليل هذا التحرر فربطوا بينه وبين التاريخ الاجتماعي لتلك المدن، فقد تدفقت فيها تيارات حضرية شتى، فقد ظلت تتدفق عليها أفواج السبايا والجواري الأجنبيات طوال زمن الفتوح الإسلامية وكن من أجناس شتى، فحملن معهن مواهبهن وتقاليد أقوامهن وعاداتهن، وكانت الأموال تتدفق على هذه المدن طوال عصر الرسول ص وعصر الخلفاء الراشدين، بل إن الأمويين أنفسهم كانوا حريصين على أن تصل أموالهم إلى أهل هذه المدن، وانصرف أهلها إلى التجارة بعد أن حيل بينهم وبين السياسة، ينمّون ثراءهم التليد الذي ورثوه عن آبائهم تجار العصر الجاهلي بثرائهم الطارف- على حد تعبير الدكتور يوسف خليف- [3] . وارتفعت موجة اللهو والغناء في هذه المدن، وكثرت دور السماع فيها، فغرقت في الترف إلى آذانها على حد تعبير الدكتور شوقي ضيف- [4] ولن نستغرب إذا صحّ بعض هذا لا كله أن تظفر المرأة في مدن الحجاز ببعض الحرية.
(1) المصدر السابق: /35/
(2) المصدر السابق: 1/37
(3) في الشعر الأموي: 144-145
(4) الشعر والغناء في المدينة ومكة: 80-94-172-187