فهرس الكتاب
وبعد، فلعلّ الصفحات السابقة كشفت لنا عن صورة المرأة في الأسرة العربية زمن الأمويين كما رسمها شعراء ذلك العصر. فقد رأيناها أمًّا ترعى أبناءها وتسهر على تنشئتهم وإعدادهم للحياة إعدادًا طيبًا يبعث الفخر والاعتزاز في النفس، ورأيناها زوجًا أثيرة لدى زوجها، تدبر شؤون بيته وتحاوره في شؤون حياته ورزقه على ما قد يكون في هذا الحوار من المخالفة والشجار، وهي -في أحوالها كلها- تحبه وتحرص عليه، يرمضها الشوق إذا ابتعد، ويُزهيها الحب إذا حضر، تستمع إليه وهو يستعرض مفاخره ومناقبه أمامها فتكون له خير مرآة يرى صورته فيها، وتستبد بها الغيرة حين ترى الجواري ينازعنها زوجها فلا تزداد إلا ارتباطًا به وحرصًا عليه، ورأيناها طفلًا يدرج في كنف والديه ثم جويرية في أول الصبّا تملؤها الأحلام، وتزدهيها الأماني، ويطير بها الحب إلى عوالم سحرّية ملونة، فتشكو ما هي فيه من رقابة وحصار، وتطمح إلى أن تتخفف من كل قيد، وتتحرر من كل وصاية، وهي في ذلك كله ريحانة قلب والدها وأمها، وموطن شرف أهلها.
الفصل الثاني
المرأة والقبيلة في الشعر الأموي
لقد ابتعدت الحياة في العصر الأمور في نمطها اليومي وفي آفاقها الفكرية عما درج عليه الأجداد فيما سلف من الزمن.
بعد أن استقر الإسلام في النفوس، وتحصنت مبادئه وأهدافه في نبذ الجاهلية ونعراتها ومفاخراتها، وتعالت أو انتصرت الذات الفردية بإثبات وجودها بعيدًا عن وزن القبيلة والأسرة وشجرة النسب، وأصبح النجاح الشخصي العامل الأكبر في فضيلة الرجل وأخلاقه.