فهرس الكتاب
لكن هذا التطور بشقيه الفردي والاجتماعي لم يلبث أن اصطدم بالخلافة الأموية التي جعلت وكدها أولًا في تقوية نظام الحكم وتثبيت أركانه والقضاء على الخارجين عليها والثائرين في وجهها سواء أكانوا في العراق حيث تستقر المعارضة السياسية أم في غيره حيث تثور بين الوقت والآخر الفتن والاضطرابات، فعمدت هذه الخلافة إلى انتهاج سياسة تحقق لها ماأرادت، فأضرمت في النفوس نار العصبية القبلية، ونفخت فيها لتزداد توهجًا واشتعالًا، فقرّبت بعض القبائل منها، وخاصمت بعضها، وأشعلت نار الفتنة بين هذه القبائل، فكثرت الأحلاف القبلية وعادت الحرب جذعة، فكأننا مانزال على مسمع ومرأى من العصر الجاهلي.
وبعبارة واضحة: لقد أراد الأمويون أن يصرفوا أنظار الناس عن أمور الخلافة والسياسة، وأن يكسبوا تأييد القوي، وأن يدفعوه إلى القضاء على غيره، وأن يضربوا القبائل بعضها ببعض، وكانت العصبية القبلية التي مايزال وميض نارها في النفوس خير وسيلة لتحقيق ما أرادوا،"فكان معاوية سببًا قويًا من أسباب استشعار جماعته للعصبية القبلية، فقد مضى يطالب بحق عشيرته الأموية في الأخذ بثأر عثمان وكأنه أحيا قاصدًا أو غير قاصد الفكرة القديمة التي كانت تجعل حق الثأر للقبيلة والعشيرة، ومعروف أن الإسلام هدم هذا الحق وحوّله من القبائل والأفراد إلى الدولة، فهي التي تعاقب عليه بما يفرضه دستور القرآن الكريم" [1] .
(1) العصر الإسلامي: 230.