فهرس الكتاب
وكانت المرأة في كثير من الأحيان محرّضًا للشعراء على الفخر والهجاء القبليين، فكأنها الشرارة التي تشعل نار العصبية فيستحطب لها الشعراء من كل واد، على نحو مانعرف من أمر النوار وحدراء زوجتي الفرزدق، فعندما خطب الفرزدق حدراء بنت زيق فخر بزواجه وبالمهر الذي قدمه لها، وتناول جريرًا بالهجاء المر والسخرية اللاذعة، عندما سمع أنه سينافسه في الزواج من حدراء، ومضى إلى أمه فصورها ممتهنة راعية أغنام، وشبهها بالأتان لابتذالها، ثم صار إلى مضمار الفخر والهجاء القبليين يجري فيه طَلَقًا، فليس آل جرير أكفاء لآل حدراء، بل إنهم ليسوا أكفاء لأحد من الأحرار، فقد اشترط الناس على من يصهرون إليهم شرطًا واحدًا ألا يكونوا من قبيلة جرير أو قبيلة محارب:
فلو كنت من أكفاءِ حدراءَ لم تَلُمْ ... على دار مِيّ بينَ ليلى وغالبِ
فنلْ مثلَها من مثلِهم ثم لُمْهُمُ ... بمالَكَ من مالٍ مراحٍ وعازبِ
وإني لأخشى إنْ خطبتَ إليهمٌ ... عليكَ الذي لاقى يسارُ الكواعبِ
ولو قبلوا مني عطيّةَ سُقْتُهُ ... إلى آل زيقٍ من وصيفٍ مقاربِ
هم زوّجوا قبلي ضِرارًا وأنكحوا ... لقيطًا وهم أكفاؤنا في المناسبِ
ولو تُنْكِح الشمسُ النجومَ بناتِها ... إذًا لنكحناهنّ قبلَ الكواكب
وما استعهد الأقوامُ من زوجِ حُرَّةٍ ... من الناس إلا منكَ أو من محاربِ [1]
ولا يكاد جرير يسمع هذا الدويّ حتى ينبري لصاحبه مناقضًا، فيعيب على الفرزدق زواجه من حدراء ويؤكد أن هذا الزواج لا يقوم على التكافؤ القبلي، فيفخر بسادات بني تميم المشتركين بينه وبين النوار التي استنجدت به، ويحط من قدر حدراء، ويرى أن الفرزدق قد تنازل عن مكانة قومه حين خطب حدراء:
لست بُمْعطي الحكم عن شف منصبٍ ... ولا عن بناتِ الحنظلييّنَ راغبُ
(1) ديوان الفرزدق: 112,
ضرار ولقيط: من زعماء بن تميم وهما من سادة الجاهلية، وقد فخر بهما الفرزدق كثيرًا.
يستعهدون أي يشترطون على من يأتي لمصاهرتهم ألا يكون من قوم جرير كليب أو محارب.