فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 373

ولعلّي لا أخطئ إذا ظننت أن هذا الحديث عن الحسب الزاكي الرفيع، والجمال الفتّان المصون، والنعيم الظاهر والثراء العريض يخفي وراءه -بل يظهر- رغبة الشاعر في أن تكون حبيبته من سراة القوم وأشرافهم، وليست سوقية مبتذلة أو من غمار الناس، كما يدل على طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه الشاعر، فهو مجتمع عربي لا يزال الإحساس بالعروبة وقيمها ومثلها يتغلغل في أعماقه، ويحدّد نظرته إلى الحياة، وتصوّره لها.

ونجد مقابل هذا المدح لنساء القبائل والدعاية لهن بالإشارة إلى نعمتهن وجمالهن أن أكثر الشعراء قد تناولوا نساء القبائل المعادية بالهجاء، ضمن هجائهم للقبائل ذاتها، وتحولت المرأة في أشعار الهجاء إلى معادل للقبيلة، عزة القبيلة من عزة المرأة وهوان هذه من هوان تلك، للعصبية بالمرأة وبالقبيلة أبشع الصفات الجسدية والأخلاقية. ففي شعر جرير تمثل عارم للعصبية والقبلية في هجائه لقوم الأخطل وقبيلته تغلب، والتعرض لنساء تغلب خاصة بالسخرية والتهكم، وإسقاط أبشع الصفات على أشكال نسائها، فهو ينفي عنهن كل مكرمة من حسب ودينٍ وحياء وجمال:

نسوانُ تغلبَ لا حِلمٌ ولا حَسَبٌ ... ولا جمالٌ ولا دِينٌ ولا خَفَرُ [1]

وبسبب قباحة نساء تغلب ودمامة نسائها فإن الكرام من الرجال لا يطمحون إلى مصاهرة هذه القبيلة، إذ لا يفخر من يصهر إلى تغلب بأخواله، وهي مذمة عامة لنساء تغلب وللقبيلة كلها:

وتَغلبُ لا يصاهِرُهُمْ كريمٌ ... ولا أخوالُ مَنْ وَلَدُوا كرامُ [2]

ويعيّر نساء تغلب بالقذارة والفقر والامتهان في الأعمال الذليلة:

قَبَحَ الإلهُ نُسّيةً من تغلب ... يَجعَلنَ من قِطَعِ العباءِ خُدورا

لم يَجرِ مُذ خُلِقَتْ على أنيابِها ... ماءُ السِّواكِ ولم تَمسَّ طهورا [3]

(1) ديوان جرير: 159.

(2) المصدر السابق: 282 ويتكرر له في ف 42، ف 1475، المعاني ذاتها.

(3) نقائض جرير والأخطل: 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت