فهرس الكتاب
وبسبب ذلك الاضطراب والوقائع، كانت النساء الحرائر تتشبه بالإماء مخافة السبي حتى يزهد فيها المغيرون [1] . فتكشف غطاء وجهها لأن في سبي الحرة الانهيار الكامل لقومها، وكنا لاحظنا في المدح بحماية النساء كيف تبدو النساء آمنات وقد سترن أرجلهن وأيديهن، لأنهن مطمئنات أما في حالة الهزيمة فالمشهد يوظف للسخرية والنيل من كرامة المهزوم.
يقول الكميت:
ولم أرَ مثلَ الحيِّ بكرِ بن وائل ... إذا أُنزِلَ الخلخالُ منزلةَ القلبِ [2]
وذلك عندما تحسر المرأة عن ساقها في الحرب فيبدو الخلخال من الرعب، وإنما يبدو السوار في حالة الأمن. وينال أيضًا من السبايا اللواتي أْمتُهِّن في أعمال ذليلة وأصبحن مثل الإماء المبتذلات وقد تخلين عن أخلاقهن:
وينصبنَ القدورَ مشمِّراتٍ ... يُخالسن العجاهنةَ الرئينا [3]
ويفخر جرير ببأس قبيلته وحمايتها نساء غيرها من القبائل، ويزعم أن النساء اللواتي قامت قبيلته بحمايتهن، احتفظن بكرامتهن وأخلاقهن، ولو كانت غير يربوع حمتهن لكن سبايا لدى الأعداء:
لولا حمايةُ يربوعٍ نساءَكُمُ ... كانت لغيرِكُمُ منهنَّ أَطهارُ [4]
وتستوقفنا في غير موطن من هذا الشعر صور النساء وقد اعتراهن الخوف والهلع، وتفرّق من حولهن الرجال، وتركوهن لهذا المصير القاسي الذي ينتظرهن، فإذا هن يصرخن مستنجدات مستغيثات يثرن غيرة الرجال ولا رجال!!
كما تستوقفنا صورهن وهن سبايا مردفات خلف من سبوهن على نحو يذكرّنا بتصوير النابغة الذبياني لسبايا قومه، ولكن تصوير النابغة أجمل وأبدع، وربما ساق الشعراء هذه الصور في معرض المدح لاستثارة همّة الممدوح ودفعه إلى تحريرهن من السبي.
(1) خزانة الأدب: 9/505.
(2) شعر الكميت: 134.
(3) المصدر السابق: 119. العجاهن: صديق الرجل الموسر العجاهنة: المشاطة إذا لم تفارق العروس. الرئة موضع النفس.
(4) تاريخ الطبري: 6/611.