فهرس الكتاب
طبقة المغنيات وهن من الموالي، وطبقة النساء الثريات وهن من الأسر العريقة الراقية، وكان لهن الحظ الأكبر في الأخذ من الحضارة والتقدم، وغلبت على أخبارهن أخبار العشق والغرام والتحرر. ولا غرابة في ذلك فقد كان العصر عصر المرأة العربية الحرة، الكريمة النجار ذات الحسب والنسب الرفيع والثراء العريض. وعلى رأس هذه الطبقة أميرات البيت الأموي الحاكم اللواتي تملأ أخبار قلوبهن دواوين الشعراء، وتستفيض في أخبار القصاص.
تفيض كتب التاريخ الأدبي بأخبار المغنيات، ومن أشهر هؤلاء المغنيات:
حبابة جارية يزيد بن عبد الملك، وفي حكايتها تبرز زوجة الخليفة وهي تطلب وساطة المغنية الجارية في تسيير أمورها عند زوجها، وتعمل على إلغاء قلبها وغيرتها، بل إنها تتكلف المال الكثير من أجل إهدائها إليه.
إنها الإشارة الكبرى لما أصاب نفس المرأة العربية وتفكيرها بسبب الحضارة والرفاه والطموح إلى أن يكون الحكم لولدها من بعد أبيه، وتقص صاحبة الدر المنثور طرفًا من أخبارها، تقول:"حبابة مولدة مدنية كانت صبيحة الوجه مليحة النادرة، خفيفة الروح، شجية الغناء، وكان يزيد مغرمًا بالنساء شديد الكلف بهن، فهام بها وانقطع إليها ليله ونهاره تاركًا بين يديها أَزِمَّة دينة ودنياه، فكانت تعزل من تشاء، وتولي من تشاء، وتحول بينه وبين الصوم والصلاة، وكان يقول فيها:"
أَبلغْ حبابةَ أَسقى رَبْعَها المطرُ ... ما للفؤادِ سوى ذكراكمُ وَطَرُ
إنْ سارَ صحبيَ لم أَمِلكْ تذكُّرَهُمْ ... أوَعَرَّسوا فهمومُ النفسِ والسهرُ [1]
ويهتم صاحب"تزيين الأسواق"بها، فيقص أخبارها في شيء من التفصيل، فقد كان- فيما ذكر- سبب شراء حبابة أن يزيد قد حج أيام أخيه سليمان، فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار. وقال سليمان: لقد هممت أن أحجر على يزيد. فردها يزيد، فاشتراها رجل من أهل مصر.
(1) الدر المنثور في طبقات ربات الخدور: 161.