فهرس الكتاب
فوجم الرجل وأخذته الدهشة لأنه لم ينتبه إلي هذه الحقيقة لحظة واحدة طوال حياته، وهو يدين بدين السيد المسيح، ويستمع إلي الإنجيل كلما ذهب إلي الكنيسة.
ومثل هذه الحقيقة ما ذكرناه آنفًا عن نسبة إبراهيم العربية، فإنها أصح نسبة ينسب إليها، لكنها تبدو لمن يسمعها كأنها غريبة يقال من يزعمها:"من أين جئت بهذه الأحدوثة التي لم نسمعها قبل الآن؟!"
فلا يقال عن إبراهيم إنه إسرائيلي، لأن يعقوب هو أول من تسمي بإسرائيل ويعقوب حفيد إبراهيم. ولا يقال عن إبراهيم إنه يهودي، لأن اليهودي ينسب إلى يهودا رابع أبناء يعقوب، ولم يكن ينسب إليه إلا بعد أن أصبح اسمه علما علي الإقليم الذي قسم له عند تقسيم الأرض بين أبناء يعقوب.
ولا يقال عنه إنه عبري إذا كان المقصود بالعبرية لغة مميزة بين اللغات السامية تتفاهم بها طائفة من الساميين دون سائر الطوائف، فإن إبراهيم كان يتكلم بلغة يفهمها جميع السكان في بقاع النهرين وكنعان، ولم تكن العبرية قد انفصلت عن سائر اللغات السامية السامية في تلك الأيام
وقد يقال عنه إنه ساميُّ ينتمي إلى سام بن نوح، ولكنها نسبة إلى جد وليست نسبة إلى قوم وقد تكلم باللغة السامية أناس"كالأحباتش ليسوا من السريان، ولا من الآراميين ولا الحميريين. فإذا فتشنا عن نسبة لإبراهيم لم نجد أصدق من النسبة العربية، كما كانت العربية يومئذ بين جزيرة العرب وبقاع الهلال الخصيب. [1] "
فإبراهيم من نسل عابر ومن قوم إرم، ويتكلم الآرامية وتسمى السريانية نسبة لسوريا، وعلى هذا فإبراهيم من بقية العرب البائدة القديمة، ويؤيد ذلك أنه أتى لجزيرة العرب، وبنى الكعبة، وتخاطب مع العرب حولها، وكذلك مع زوجات إسماعيل وهم من العرب المستحدثة فإن إسماعيل أول من فتق لسانه بالعربية.
في التوارة:
ذكر إبراهيم أنه رجل راعي غنم وينتقل، وفيها إشارات إلى أن الله يكلمه، لكن تكليم الله له لأجل أن يخبره أن أبناءه سيرثون الأرض، ثم يجعلون ذلك كله محصورا في ذرية إسحاق، وجاءوا بعد ذلك بلقب السامية تخلصا من نسب العرب.
ففي سفر التكوين
(1) - عباس محمود العقاد: إبراهيم أبو الأنبياء، صـ 124: 130، صـ 177، 178