أرأيت الجماعَ بالعوازل الحديثة، ما قولك فيها، فهي تنقص عن معنى الجماع قطعا، وتمنع من المباشرة، ومع ذلك فهي آخذة معنى الجماع وحكمه، وذلك لأن المعنى الذي فاتها من المعنى المستفاد من الجماع المعتاد لم ينقص عن جوهر أحد المعاني المقصودة من الجماع؛ فلذلك لم يؤثر في إلحاقه بأحكام الجماع، وكذلك ما نحن فيه من الفرق بين الحقن المغذية وبين الأكل والشرب المعتاد، فالفرق بينهما نسلِّم به، ومع ذلك فإنه لا يصل إلى أن يؤثر في إلحاق الأول بالثاني، ما دام أن الوصف المناط به محتفظًا بجوهره وأركانه.
ثم إن هذه العلة المركَّبة من حصول لذة الأكل والشرب، يشكل عليها حديث لقيط بن صبرة؛ فإن استنشاق الماء من الأنف لا يحصل به التلذذ بالماء، ومع ذلك لم يلتفت الشارع إلى انتفائه.
والذي يبدو لي والعلم عند الله في حكم هذه المسألة:
هو الاتجاه الأخير، وهو عدم الإفطار بالحقن الشرجية إلا أن تكون مغذية، فهذه فحسب هي التي يحصل الإفطار بها؛ لأنها هي التي تنضبط مع القاعدة في الاقتصار على الإفطار بالأكل والشرب، أو ما كان في معناهما. [1]
وإنما جزمنا بالإفطار مع ضعف القدرة على التغذية بها، كما جزم بذلك بعضُ المعاصرين [2] :
لأنه ما دام أن المقصود بهذه الإبر هو التغذية، وأنه يحصل بها هذا المعنى فإن الصائم يكون بذلك مفطرا حتى ولو كان المستفاد من التغذية قليلا؛ لأن القاعدة أنه لا نظر إلى القلة والكثرة في حصول الإفطار بالأكل والشرب، فكل ما صح أنه أكل أو شرب فإنه يقع الإفطار به وإن قل.
(1) ومما يلحق بالحقنة الشرجية: ما يستعمله البعض مما يسمى بالتحاميل أو اللبوس أو أقماع البواسير أو المراهم؛ فإنه يجري عليها ما يجري من الكلام على الحقن الشرجية وصفًا وحكمًا. انظر: مجلة المجمع 10 - 2 87 بحث د. محمد حبر الألفي.
(2) مجلة المجمع 10 - 2 86، 87 بحث د. محمد حبر الألفي