الصفحة 26 من 44

ثم إن القرآن على -خلاف النصرانية- قد قرر أن الحياة البشرية ذات معنى و أن الإنسان هو محور فلسفة التاريخ والقرآن لا يعتبر الزاد إلى الآخرة في الحرمان والتعذيب والرضوخ. والإسلام- كما قال محمد أسد-"ينظر إلى الحياة بهدوء واحترام ولكنه لا يعبدها والنجاح المادي مرغوب فيه ولكنه ليس غاية في ذاته بل يقود الإنسان نحو التبعية الأدبية في كل ما يعمل والغاية من جميع نشاطنا العملي يجب أن تكون خلقية".

وأما علمانية هذا الفكر"المتحضر"ونبذه للدين نبذا ساخرا حاقدا وركله لكل مقوماته وتعاليمه فهي أيضا جاءت كرد فعل لتسلط الكنيسة وتحجرها واستبداد رجالاتها وانغلاقهم وجهالاتهم الحمقاء ومحاربتهم- باسم الدين- لكل الإبداعات العلمية والفكرية وتصديهم الغبي والإجرامي للخلق العلمي والتجارب والاستكشافات الخارقة لمفاهيمهم والمقوضة لتصوراتهم ومعتقداتهم ولعل إعدام"قاليلي"اشهرها وهو ليس بوحيدها.

ومن هنا نفهم عقدة الرفض في موقف أوروبا من العطاء الحضاري الإسلامي"فلقد أراد الإسلام ( كما يقول أنور الجندي) أن يهدي إلى أوروبا هدية الإيمان وهدية العلم ولكن أوروبا قبلت هدية العلم ورفضت هدية الإيمان وكان هذا مصدر شقائها ومتاعبها" (3)

غير انه يبدو للدارس المتعمق للحضارة الغربية والمتمعن في أي شيء من أشيائها أن البعد الديني مازال مستترا وحافزا للكثير من إبداعاتها. يقول المفكر"هرمان دي كيسرلنج"في كتابه"البحث التحليلي لأوروبا"?"كان اعظم ارتكز حضارة أوروبا على روحها الدينية وتفسر هذه الروح بذلك العامل الاجتماعي..ذلك الشعور في الإنسان والذي تصدر عنه مخترعاته وتصوراته وتبليغه لرسالته."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت