الصفحة 29 من 44

هناك حادثة وقعت في الأربعينيات ملخصها أن شابا زيتونيا بعد أن اكمل دراسته الزيتونية طلب من إدارته السماح له بالسفر إلى فرنسا لاستكمال دراسته هناك. فكان رد الإدارة في قولها ? ليست لنا حاجة في تعلم اللغة الفرنسية.. (؟؟)

هذه الملاحظة تبين بجلاء- كما يقول مالك بن نبي- كيف يتصور المجتمع الإسلامي في عصور الانحطاط دور الطالب الذي يسافر إلى الخارج. فالهدف الوحيد أن يدرس لغة أو يتعلم حرفة لا أن يكتشف ثقافة. فكل ما يهمه المنفعة العاجلة. لكنا -والكلام لمالك- لا ينبغي أن نعزوا هذا الاتجاه إلى عدم اكتراث المسلم بالحضارة الغربية فحسب بل إن المدرسة الغربية الاستعمارية قد ساهمت في خلق هذا الوضع إذ لم تكن تهتم بنشر عناصر الثقافة الأوروبية بقدر ما تحرص على توزيع نفاياتها التي تحيل المسلم عبدا للاقتصاد الأوروبي فهي لا تسعى إلى اكتشاف ذكاء تلاميذها أو دفع مواهبهم وإنما تسعى إلى خلق آلات ذات كفاءات محدودة (8) ... ذلك أن الأوروبي لم يتحمل عناء السفر إلى الشرق ليقوم بدور الممدن وإنما ليتولى خطة المستعمر.

ثم إن نظرتنا إلى حضارة الرجل الأبيض- في إطار التفاعل والتعامل- وخاصة على الصعيد الثقافي كانت مرتكزة بصفة كلية على المظاهر الطافية والخادعة وكان انبهارنا محصورا فيما نرى ونشاهد بالعين المجردة ليس إلا.. فنحن نرى وننبهر بتلك المرأة القابعة في المقهى والمترنحة في المرقص والضائعة في الشارع والتي تصبغ أظافرها وشعرها وتدخن ولا نرى المرأة الأوروبية التي تجمع الحشيش لأرانبها أو تنشر الحب لدجاجها أو تنكب على حلب بقراتها... أو تلك التي لا تترك فرصة تمر دون مطالعة جادة في كتاب أو تأمل منظر تمر إزاءه أو تفكر في اثر يشد انتباهها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت