الصفحة 10 من 41

(أ) القول بأن الدعوة يجب أن تكون بالوسائل التقليدية السابقة وأنه لا يجوز أو لا يستحسن استخدام الوسائل الحديثة (الأحزاب، والجمعيات، والنقابات، والاتحادات .. الخ) وأن الدعوة يجب أيضًا أن تقتصر على تطهير المعتقد، وتصحيح العبادة، وتربية الأخلاق، والبعد بالنفس عن المعاملات المحرمة.

(ب) والقول الثاني الذي يرى وجوب استخدام كل وسيلة ما دام أنه لم يأت نص بتحريمها وسلوك كل طريق يؤدي إلى هدف من أهداف الدعوة كهداية الناس أو إقامة الحجة. أو نصر دين الله في الأرض، ونقل السلطان من أيدي الكفرة والظلمة والفسقة إلى أيدي المؤمنين.

وأنت إذا نظرت إلى كل قول من هذين القولين رأيت فيه جوانب من الصواب لا يجوز إغفالها وجوانب من الخطأ يجب التنبه إليها.

فالقول الأول: فيه من الصواب أنه يأمر بالتأني في تربية الجيل المسلم، وتنشئته نشأة صالحة طيبة، وتطهير عقيدته، وأخلاقه ومعاملاته، وتأخير الزج به في المعترك السياسي، الذي يكون من مستلزماته الظهور، والفتنة والغرور، وقسوة القلوب، والاستعانة بالحطمة من الناس، وطلاب الدنيا، ممن يحبون ركوب الموجة، وأن تحملهم الدعوة إلى المناصب والوجاهات، والمراكز ثم تكون الدعوة بعد ذلك في آخر أولوياتهم بل قد يتنكرون للدعوة عندما يصلون إلى مبتغاهم وأهدافهم، وهكذا تكون الدعوة سلمًا لهم ومطية إلى أهدافهم. وكذلك قد يدخل ميدان الصراع والجهاد مع الباطل أناس من عامة الناس لم يتربوا على عقائد الدين وأخلاقه، فيمارسون صراعهم السياسي بأخلاق الجاهلية من كذب وغش وخيانة أمانة، ونقض عهد، وإخلاف وعد .. فيكونون بممارساتهم السيئة وأخلاقهم الردية دعاية سيئة للدين، وسبة على الإسلام والمسلمين، وتنفيرًا عن رسالة رب العالمين. وقد يموت هؤلاء في جهاد وفتنة وهم بعد لم يصححوا عقيدتهم، ولم يؤمنوا الإيمان الواجب بربهم وإلههم، ولم يصححوا -أيضًا- عباداتهم، ومعاملاتهم فيموتون على شرك أو بدعة، أو ضلالة أو إثم .. وهم أمام الناس والعالم دعاة مجاهدون!!.

ثم إن من صواب"الرأي الأول"أيضًا أن المتعجلين للدخول في المعترك السياسي قد يدخلون بقوى صغيرة، وبمجموعات ناشئة غضة، لا تقوى على مواجهة قوى جاهلية متمرسة، حاقدة، فتكون النتيجة بالطبع إحباط هذه القوى الإسلامية الناشئة، وتشتيتها وتضييعها .. الخ.

ولا شك إن هذه انتقادات صحيحة، ومخاطر واقعة بالفعل، وليست متوهمة أو مظنونة ولكنها مع ذلك ليست دليلًا شرعيًا على عدم جواز استخدام هذه الوسائل العصرية أو ما يسمى بالوسائل السياسية في الدعوة إلى الله. بل هذه محاذير يمكن تجاوزها، والاحتياط لها، والاستفادة من الثغرات والتجارب التي مر بها الآخرون في هذا السبيل، ولا يجوز بتاتًا أن تكون هذه المخاوف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت