الصفحة 9 من 41

والحق أن في هذه المسألة تفصيل وقد شرحنا هذا التفصيل في مواضع كثيرة من كتابنا"فصول من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله"و"الدعوة إلى الله".

والمهم هنا التذكير بأن دعاة الإسلام يختلفون اليوم حول كيفية الدعوة إلى الله اختلافًا بينًا. فمع إيمان الجميع تقريبًا أن الإسلام نظام شامل للحياة كلها، وأنه لا فرق فيه بين العبادة والسياسة والمعاملة والأخلاق، وأنه لا يجوز الفصل بين أحكامه، إلا أن كثيرين يرون من الحكمة ترك الاشتغال بالسياسة إلى أقوال أخرى لعلماء ومرشدين وقادة كلها تدعو إلى الانخراط في كل عمل يعز الأمة وينصرها، وأن الإسلام لا يوجد فيه الفرق بين الدين والسياسة، ولا الدين والمعاملة، ولا الدين والأخلاق والنظم والقوانين. فالدين جاء لتنظيم الحياة كلها، والدعوة إلى الله لا بد وأن تكون بالوسائل المكافئة لوسائل الأعداء.

والخلاصة: أن هناك في الدعوة الآن قولان رئيسيان: قول يرى وجوب قصر الدعوة إلى الله على الطرق القديمة التقليدية والوسائل السابقة كالخطبة والتأليف والاتصال الفردي، والدروس والمحاضرات، والمدارس والجامعات، ونحو ذلك، وقصر الدعوة كذلك في أبواب العلم والتوحيد والعبادة، والأخلاق وبعض المعاملات الخاصة. وقول آخر يرى وجوب استخدام الوسائل الحديثة كالحزب، والوظيفة القيادية، والأجهزة الحكومية والجمعيات، والنقابات، والاتحادات الطلابية والعمالية، والمهنية، ووسائل النشر الحديثة، كالمذياع، والتلفاز، والمجلة، والصحيفة. ولو أدى استخدام هذه الوسائل إلى الصراع مع أهل الباطل فكريًا وعمليًا لأنه من المعلوم أن امتلاك مثل هذه الوسائل واستخدامها سيؤدي بالضرورة إلى الصدام الفكري والحركي والعملي مع الأحزاب والتنظيمات الأخرى والعقائد المضادة التي تحاول أيضًا هي بدورها الوصول والاستيلاء على هذه الوسائل، والتي تستطيع من خلالها التشريع، والتقنين، والتربية، وصبغ الشعب بالصبغة التي يريدون، وتوجيهه إلى المنهج الذي يحبون.

ولا شك أيضًا أنه يوجد بين هذين الرأيين الرئيسيين آراء أخرى منها: وجوب العزلة عن هذا المجتمع كليًا، وبناء مجتمع آخر بعيد عن هذه المجتمعات، ومنها: القول بأن الوسائل السلمية في الدعوة لا تجدي نفعًا وأنه لا بد من تحطيم المجتمع القائم بالقوة تمهيدًا لقيام مجتمع آخر على أنقاضه .. إلى أقوال كثيرة ليس المجال مجال بسطها وشرحها. والرد عليها، وخاصة بعد أن أثبتت التجارب المريرة خيبتها الذريعة وجهلها المطبق.

ولذلك فلن نناقش هنا القول بالعزلة والخروج من المجتمع ولا القول بأن الوسائل السلمية لا تجدي نفعًا، وقد ناقشنا هذه الأقوال في مواطن أخرى.

وإنما سنهتم فقط بمناقشة القولين الرئيسين الأوليين وهما:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت