الصفحة 12 من 41

الأصل الأول للسياسة الشرعية الإسلامية في مجال العمل السياسي أنه لا يجوز للمسلم أن يتنازل عن شيء من الحق، أو أن يخلط الدين الذي أنزله الله بباطل المشركين. وذلك أن الدين من الله -سبحانه وتعالى- وهو الحكيم فيما يشرع. وهذا يعني أنه كله حق وأنه لا يجوز اعتقاد نقصه أو خطئه. قال تعالى: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} (المائدة:50) وقال تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} (الأنعام:121) . وهذا بشأن تحليل"الميتة". وقال تعالى: {قل يا أيها الكافرون* لا أعبد ما تعبدون} (الكافرون:1 - 2) الآيات، وهذا عندما عرض الكفار على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدوا إلهه سنة ثم ينظروا أي السنوات أعظم بركة وخيرًا .. !!

فعقيدة الدين لا يجوز خلطها بغيرها، وشريعة الإسلام لا يجوز كذلك خلطها بغيرها، والانتقاء منها حسب الهوى والمصلحة المزعومة. بل لا إسلام إلا لمن أسلم قلبه وعمله ووجهه لله ... -سبحانه وتعالى-.

ومعنى ذلك أنه لا يجوز تحت أي ظرف من الظروف التنازل الاعتقادي عن شيء من الدين والرضا القلبي بأن نأخذ من الإسلام ومن غيره. وأما الرضوخ والجبر لشيء مخالف من الدين، في ظرف من الظروف فهذا أمر آخر. كما جاء في"صلح الحديبية"مثلًا حيث قبل الرسول صلى الله عليه وسلم برد المسلمين إلى الكفار، مع ما فيه من قبول بالذل وإسلام المسلم لأعدائه. وقد قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، لما كان في هذه الاتفاقية من بنود تتحقق معها عزة الإسلام مستقبلًا، كالسلم وفتح مكة أمام الدعوة الإسلامية، واعتراف قريش بأن للمسلمين دولتهم وكيانهم، ودينهم، وفتح المجال لدخول القبائل حلفاء للرسول وغير ذلك من أمور كانت في صالح المسلمين، وأما ذلك الشرط فإن الرسول أجاب عنه: بأن الله سيجعل للمسلمين المضطهدين بمكة فرجًا ومخرجًا. وقد كان.

وليس المجال بيان المصالح العظيمة، والفتح الكبير في شروط"الحديبية"، ولكن المقصود هو التنبيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا العمل السياسي قد رجح جانب المصالح العظيمة في هذا المصلح، ولا شك أن ذلك كان بوحي من الله -سبحانه وتعالى- والمهم أن هذا ولا شك للتشريع (أي الدائم) ، ليستفيد المسلمون من ذلك في ظروف مشابهة .. وعلى كل حال ليس هذا من التنازل عن شيء من الحق لأن هذا ليس تغييرًا للتشريع، ولا للأحكام لأن أصل النصرة ظل موجودًا في الدين، بل هو من أصول الإسلام كما قال صلى الله عليه وسلم: [المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه] (متفق عليه) . ومعنى يسلمه: يخلي بينه وبين أعدائه، وكما قال تعالى: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذي يقولون ربنا أخرجنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت