الصفحة 13 من 41

من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا (النساء:75) . فالآية آمرة بوجوب نصر المؤمنين إخوانهم ممن يعذبهم من الكفار ويستذلونهم. ولكن الله -سبحانه وتعالى- استثنى من هؤلاء من يكونون تحت كفار معاهدين للمسلمين. كما قال تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} (الأنفال:72) .

ومن الأمثلة أيضًا عقد الرسول صلى الله عليه وسلم مع تميم أن يرجعوا برجالهم في (الخندق) ولهم ثلث ثمار المدينة. ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب العهد بينه وبينهم ولم يوقعه إلا أن الأنصار رفضوا العهد وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أهذا شيء أمرك الله به فنطيع أم شيء تحبه أم شيء تصنعه لنا؟! فقال: [بل رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأحببت أن أنفس عنكم إلى حين] فقالوا: والله يا رسول الله لا نعطيهم إلا السيف!! (ذكره ابن اسحاق بالتحديث عن عاصم بن عمر عن الزهري إلى عينية ابن حصن، والحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان، انظر البداية ص104 ج4) .

والمهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هم وشرع في إرضاء هؤلاء الكفار بضريبة عظيمة وذلك حتى ينفس عن المسلمين بعد أن رأى كل قوى الشر في الجزيرة: اليهود، وقريش، وغطفان، وتميم، قد اجتمعت عليهم دفعة واحدة. وأن همهم كان استئصال المسلمين، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع مفسدة أعظم بمفسدة أقل، فسار في هذا الصلح. وهذا يدل في التشريع على"جواز ارتكاب أخف الضررين"، و"دفع المفسدة العظمى بمفسدة أخرى أقل منها ضررًا".

ولكن الله برحمته وإحسانه برسوله تولى بنفسه الدفاع عن المسلمين حيث يقول: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها .. } (الأحزاب:8) الآيات. وقال تعالى: {وكفى الله المؤمنين القتال} (الأحزاب:25) وظل المسلمون يرددون في هتافهم بعد ذلك:"الله أكبر، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده".

والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا. والمهم البيان أن مثل هذه المواقف ليست تنازلًا عن عقيدة أو شريعة من الدين، ولكنها قبول بموقف تفرضه الظروف وتحتمه الملابسات، ومثل هذا ليس تبديلًا للدين، ولا تغييرًا للتشريع، ولا ردًا لأحكام الله، وإنما هو موقف يقابل فيه المسلم ظرفًا وضرورة.

ثانيًا: لا تحريم لوسيلة إلا بنص أو استدلال شرعي صحيح:

يجب التفريق في الدين بين الحقيقة الثابتة، والوسائل المتغيرة، فعقائد الدين، وشرائعه، وعباداته، وأخلاقه، حقائق ثابتة لا يجوز فيها التغيير ولا التبديل، ولا الإضافة (البدعة) ولا الحذف .. الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت