فكل مسلم لا يجوز له أن يجهل أن الإسلام قد جاء لإنشاء أمة، وإقامة نظام ودولة، تقيم العدل، وتحارب الكفر والفساد وتطبق الأحكام، ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم لعله الرسول الوحيد بين الرسل الذي جمع في حياته بين مهمة الدعوة وواجبات الحكم والسيادة، فقد كان هاديًا ومبشرًا ونذيرًا (كان هناك بعض الأنبياء ممن جمعوا بين ذلك كداود وسليمان، وأما الرسل فلم يتمكن رسول من الحكم الكامل والرسالة إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم) ، وكذلك قد كان حاكمًا وقاضيًا، وقائد جيش، بل قد جعله الله مرجعًا للمسلمين في كل شجار وخلاف، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} ولم يجعل الله له مندوحة من ترك تطبيق أحكام الدين حيث يقول له: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} وأمره بتكوين الجيوش والخروج للغزو والقتال ولو بنفسه فقط حيث يقول له: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين} (سورة النساء:84) .
بل إن الله أمر المؤمنين ألا يغادروا أماكنهم إذا كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في أمر جامع غزوة أو غيرها إلا باستئذان كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} (سورة النور:62) ، وهذا بالطبع يتنافى تمامًا مع القول بأن الرسول مبلغ فقط أو مجرد مرشد أو موجه بل هو قائد مسؤول محاسب أمام الله على تصرفاته في قيادته، ومما يدلك على هذا عتاب الله له لأنه أذن لمجموعة من المسلمين أو المنافقين استأذنته قبل أن يعرف عذرهم، وهل هم صادقون أم كاذبون. قال تعالى: {عفى الله عنك لم أذنت لهم حتى تعلم الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} (سورة التوبة:43) وكان هذا في غزوة تبوك.
والخلاصة أن النبي كان قائد أمة، وحاكم جماعة، وإمام دولة مع كونه نذيرًا للعالمين، وبشيرًا للمؤمنين، ومبلغًا للناس أجمعين، ولا شك أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ترك الناس على هذا الأساس، أعني أنهم أمة قائمة بأمر الله، وأنه لا بد وأن يكون فيهم خليفة يقوم بالأمر من بعده، بل توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وقد عقد راية لحرب الروم، وعين القائد على ذلك وهو"أسامة بن زيد"وكذلك أمر بإخراج اليهود من جزيرة العرب فقال: [أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب] (رواه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، انظر صحيح الجامع(231 ) ) .
وعين رسول الله صلى الله عليه وسلم من يؤم المسلمين بالصلاة بعده فقال: [مروا أبا بكر فليصل بالناس] (رواه البخاري وأحمد والترمذي وابن ماجة (صحيح الجامع(5742 ) ) ، وكان هذا منه إعلانًا بأنه الإمام والخليفة بعده، لأن الصلاة هي ركن الدين الأعظم بعد التوحيد.