كل هذا يدلك على أن إقامة الأمة والدولة والحكم من صلب الدين ومن واجباته الأساسية ولذلك أجمع المسلمون على ذلك في كل عصورهم. وأنه يجب تولية إمام وخليفة وجاء القرآن بذلك، والسنة كذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم: [من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية] (رواه مسلم) ، وقال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} (سورة النساء:58) ، والمقصود هنا أمانة الحكم.
ثانيًا: هل مارس رسول الله العمل السياسي قبل الهجرة؟!
وقد يظن ظان أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمارس العمل السياسي إلا بعد الهجرة وإقامة الدولة وهذا خطأ فاحش، لأن العمل السياسي أوسع من مفهوم الحكم، فقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم منذ أول يوم لدعوته يدعو إلى عقيدة مغايرة للمعتقد السائد، ويجمع الناس حول هذا المعتقد، وهذا في حقيقته عمل سياسي حسب مفهوم الناس وعرفهم اليوم، وكذلك أوجد النبي الجماعة السرية، ثم الجماعة العلنية التي تدعو إلى تغيير نظم المجتمع، وعقيدته، وتستخدم كل وسائل الإعلام المتاحة من الاتصال الفردي، والخطبة، والمناداة، والمشاعر الخاصة، والحرب الإعلامية المضادة للفكر والعقيدة الجاهلية السائدة، وهذا كله عمل سياسي، وكذلك لجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طلب الحماية والنصرة من بعض الكفار كما فعل مع نفر من أشراف الطائف (هم أخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب أبناء عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف) في"الطائف"والنجاشي في"الحبشة"حيث كتب له الرسول صلى الله عليه وسلم التماسًا بأن يؤوي المسلمين الفارين بدينهم، وكذلك عاهد الرسول الأنصار بعد إسلامهم في"العقبة الثانية"على النصرة، وهذه كلها أعمال سياسية بالمفهوم المعاصر. وكل هذه الأمور صنعها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر، وبهذا يتبين أن النبي مارس العمل السياسي بالمفهوم العصري لكلمة"سياسة"، ولكن بالطبع حسب الضوابط الشرعية، والسياسية الربانية الإلهية وليس بمسلك السياسة الجاهلية اللادينية.
بل إن أعداءه مارسوا معه أيضًا سياستهم الجاهلية، وتجبرهم وغطرستهم، فقاتلهم الرسول بسياسة الإسلام الربانية المثلى.
والخلاصة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته كان داعيًا إلى الله نبيًا ورسولًا. ممارسًا للسياسة الربانية الإلهية.