ثالثًا: نتائج السياسة النبوية:
وكلنا يعلم اليوم النتائج الباهرة للسياسة النبوية الإسلامية، فقد استطاع في عشرين عامًا من دعوته صلى الله عليه وسلم أن يتغلب على جميع العقبات التي اعترضت طريقه، وقد تغلب على المشركين الذين ناوؤه وأخرجوه، وحاربوه، والمنافقين الذين تآمروا ضده، وأفرغوا وسعهم في تعويق حركته وشل رسالته، واليهود الذين حاربوه بالإشاعات والأكاذيب ثم بدسائسهم، ومؤامراتهم، وسيوفهم. وتغلب أيضًا على القبائل الجاهلية، والأعراب والانتهازيين. واستطاع أن يحدث انقلابًا لا مثيل له في التاريخ قط في عقيدة أمة فينقلها من الشرك إلى التوحيد، ويخلقها -بفضل الله- خلقًا آخر في الأخلاق والصفات والمسلك، والعقيدة، وأن يقضي على آفات عظيمة كانت تتهددهم، كالفرقة، والخمر والميسر والزنا ومئات الشرور الأخرى. وهذه شهادة (دائرة المعارف البريطانية) عن الآثار والنتائج المذهلة التي حققها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في حياته:
"جاء محمد بدعوة جديدة هي دعوة الإسلام، وكان هذا الرسول صلى الله عليه وسلم أوفر الأنبياء والشخصيات الدينية حظًا من النجاح، فقد أنجز في عشرين عامًا في حياته ما عجزت عن إنجازه قرون من جهود المصلحين من اليهود والنصارى رغم السلطة الزمنية التي كانت تساند هؤلاء، ورغم أنه كان أمام الرسول صلى الله عليه وسلم تراث أجيال من الوثنية والخرافة والجهل والبغاء والربا والقمار ومعاقرة الخمر واضطهاد الضعفاء، والحروب الكثيرة بين القبائل العربية"أ. هـ (مادة قرآن: دائرة المعارف البريطانية) .
بل وأن يهيئ هذه الأمة التي كانت بتلك المثابة لتكون خير أمة أخرجت للناس، وتخرج من هذه الجزيرة لتحطم عروش الطواغيت جميعًا، وتقيم أعظم أمة عرفتها الأرض على مدى ثلاثة عشر قرنًا من الزمان بل على مدى الزمان كله إلى قيام الساعة عقيدة ومنهجًا وأخلاقًا ودينًا.
ومثل هذا النجاح لا مثيل له في التاريخ قط، ولا شك أن ذلك كان بفضل الله أولًا ثم بالسياسة الحكيمة التي اتبعها الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وأعدائه.
ولا شك أن شرح السياسة النبوية أمر يطول. ولكن المهم هنا أن نذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مارس سياسة شرعية كان من نتائجها هذا النجاح العظيم الذي شرحنا بعض أبعاده وآثاره.
رابعًا: السياسة في عهود الخلافة: