الصفحة 107 من 409

-وذهب بعضهم إلى أن هذه الزيادات: من النوم، و ذكر شق البطن، ودنو الرب عز و جل الواقعة في هذا الحديث إنما هي من رواية شريك عن أنس، فهي منكرة من روايته، إذ شق البطن في الأحاديث الصحيحة إنما كان في صغره - صلى الله عليه وسلم - وقبل النبوة، ولأنه قال في الحديث: قبل أن يبعث، والإسراء بإجماع كان بعد المبعث، فهذا كله يوهن ما وقع في رواية أنس، مع أن أنسًا قد بين من غير طريق أنه إنما رواه عن غيره، وأنه لم يسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال ـ مرة: عن مالك بن صعصعة، وفي كتاب مسلم: لعله عن مالك بن صعصعه ـ على الشك. وقال مرة: كان أبو ذر يحدث.

-وأما قول عائشة: ما فقدت جسده، فعائشة لم تحدث به عن مشاهدة، لأنها لم تكن حينئذ زوجه، ولا في سن من يضبط، ولعلها لم تكن ولدت بعد، على الخلاف في الإسراء متى كان، فإن الإسراء كان في أول الإسلام على قول الزهري ومن وافقه بعد المبعث بعام و نصف، وكانت عائشة في الهجرة بنت نحو ثمانية أعوام.

-وقد قيل: كان الإسراء لخمس قبل الهجرة. وقيل: قبل الهجرة بعام. والأشبه إنه لخمس.

والحجة لذلك تقول، وليست من غرضنا، فإذا لم تشاهد ذلك عائشة دل أنها حدثت بذلك عن غيرها، فلم يرجح خبرها على خبر غيرها، وغيرها يقول خلافه مما وقع نصًا في حديث أم هانىء وغيره.

وأيضًا فليس حديث عائشة رضي الله عنها بالثابت، والأحاديث الأخر أثبت، ولسنا نعني حديث أم هانىء وما ذكرت فيه خديجة.

وأيضًا فقد رويى في حديث عائشة: مافقدت، و لم يدخل بها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بالمدينة.

وكل هذا يُوَهِّنه، بل الذي يدل عليه صحيح قولها: إنه بجسده، لإنكارها أن تكون رؤياه لربه رؤيا عين، و لو كانت عندها منامًا لم تنكره.

-فإن قيل: فقد قال تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) (النجم: 11) ـ فقد جعل ما رآه للقلب، وهنا يدل على أنه رؤيا نوم ووحي، لا مشاهدة عين وحس.

قلنا: يقابله قوله تعالى: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) (النجم: 17) ـ فقد أضاف الأمر للبصر.

-وقد قال أهل التفسير في قوله تعالى. (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) (النجم: 11) ، أي لم يوهم القلب العين غير الحقيقة، بل صدق رؤيتها. وقيل: ما أنكر قلبه ما رأته عينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت