فهرس الكتاب
-وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رضي الله عنه وجماعة من أصحاب أنه رأى الله تعالى ببصره وعيني رأسه،، وقال: كل آية أوتيها نبي من الأنبياء عليهم السلام فقد أتي مثلها نبينا، وخص من بينهم بتفضيل الرؤية.
ووقف بعض مشايخنا في هذا، وقال: ليس عليه دليل واضح، ولكنه جائز أن يكون.
-قال القاضي أبو الفضل: والحق الذي لا إمتراء فيه ـ أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلًا، و ليس في العقل ما يحيلها.
-والدليل على جوازها في الدنيا سؤال موسى عليه السلام لها. ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على الله وما لا يجوز عليه، بل لم يسأل إلا جائزًا غير مستحيل، ولكن وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله، فقال له الله تعالى: (لَن تَرَانِي) (الأعراف: 143) ، أي لن تطيق، و لا تحتمل رؤيتي، ثم ضرب له مثلًا مما هو أقوى من بنية موسى وأثبت، و هو الجبل، قال: (وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (الأعراف: 143)
وكل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا، بل فيه جوازها على الجملة، وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة.
ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) (الأنعام: 103) ، لاختلاف التأويلات في الآية، وإذ ليس يقتضي قول من قال في الدنيا الإستحالة.
وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية وعدم استحالتها على الجملة.
وقد قيل: لا تدركه أبصار الكفار. و قيل: لا تدركه الأبصار: لا تحيط به، و هو قول ابن عباس. وقد قيل: لا تدركه الأبصار، وإنما يدركه المبصرون.
وكل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ولا استحالتها. وكذلك لا حجة لهم بقوله تعالى: (لَن تَرَانِي) (الأعراف: 143) . وقوله: (تُبْتُ إِلَيْكَ) ـ لما قدمناه ولأنها ليست على العموم، ولأن من قال: معناها: لن تراني في الدنيا ـ إنما هو تأويل.
وأيضًا فليس فيه نص الإمتناع، وإنما جاءت في حق موس، وحيث تتطرق التأويلات وتتسلط الإحتمالات فليس للقطع إليه سبيل.
-وقوله: (تُبْتُ إِلَيْكَ) ، أي من سؤالي ما لم تُقَدِّره لي.