الصفحة 111 من 409

وقد قال أبو بكر الهذلي ـ في قوله: (تُبْتُ إِلَيْكَ) أي ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا، وأنه من نظر إلي مات.

-وقد رأيت لبعض السلف والمتأخرين ما معناه: إن رؤيته تعالى في الدنيا ممتعة، لضعف تركيب أهل الدنيا، وقواهم، وكونها متغيرة غرضًا للأفات والفناء، فلم تكن لهم قوة على الرؤية، فإذا كان في الأخرة ورُكِّبوا تركيبًا آخر، ورزقوا قوى ثابتة باقية، وأتم أنوار أبصارهم وقلوبهم قووا بها على الرؤية

وقد رأيت نحو هذا لمالك بن أنس رحمه الله، قال: لم ير في الدنيا، لأنه باق، ولا يرى الباقي بالفاني، فإذا كان في الأخرة ورزقوا أبصارًا باقية رئى الباقي بالباقي.

وهذا كلام حسن مليح، وليس فيه دليل على الإستحالة إلا من حيث ضعف القدرة، فإذا قوَّى اللهُ تعالى من شاء من عباده، وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع في حقه.

وقد تقدم ما ذكر في قوة بصر موسى و محمد عليهما الصلاة و السلام، ونفوذ إدراكها بقوة إلهية مُنِحاها لإدراك ما أدركاه، ورؤية ما رأياه. و الله أعلم.

-وقد ذكر القاضي أبو بكر ـ في أثناء أجوبته عن الآيتين ـ ما معناه: إن موسى عليه السلام رأى الله، فلذلك خر صعقًا، و إن الجبل رأى ربه فصار دكًا بإدراك خلقه الله له واستنبط ذلك، و الله أعلم، من قوله: (وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) (الأعراف: 143) ثم قال: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا) (الأعراف: 143) وتجليه للجبل هو ظهوره له حتى رآه ـ على هذا القول.

-وقال جعفر بن محمد: شغله بالجبل حتى تجلى، ولولا ذلك لمات صعقًا بلا إفاقة.

-وقوله هذا يدل على أن موسى رآه. وقد و قع لبعض المفسرين ـ في الجبل ـ أنه رآه، وبرؤية الجبل له استدل من قال برؤية محمد نبينا - صلى الله عليه وسلم - له، إذ جعله دليلًا على الجواز.

ولا مرية في الجواز، إذ ليس في الآيات نص بالمنع.

وأما وجوبه لنبينا - صلى الله عليه وسلم -، والقول بأنه رآه بعينه ـ فليس فيه قاطع أيضًا ولا نص، إذ المعول فيه على آيتي [النجم] ، و التنازع فيهما مأثور، والإحتمال لهما ممكن، ولا أثر قاطع متواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.

-وحديث ابن عباس خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيجب العمل باعتفاد مضمنه.

-ومثله حديث أبي ذر في تفسير الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت