فهرس الكتاب
وقال أبو بكر بن فورك: الخلة: صفاء المودة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار.
وقال بعضهم: أصل الخلة المحبة، ومعناها الإسعاف، والإلطاف، والترفيع، والتشفيع، وقد بين ذلك في كتابه بقوله تعالى: (( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (المائدة: 18) فأوجب للمحبوب ألا يؤاخذ بذنوبه.
-قال: هذا، والخلة أقوى من البنوة، لأن البنوة قد تكون فيها العداوة، كما قال تعالى: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التغابن: 14) .
ولا يصح أن تكون عداوة مع خلة، فإذًا تسمية إبراهيم ومحمد عليهما السلام بالخلة إما بانقطاعهما إلى الله ووقف حوائجهما عليه، والانقطاع عمن دونه، والإضراب عن الوسائط والأسباب، أو لزيادة الإختصاص منه تعالى لهما، وخفي ألطافه عندهما، وما خالل بواطنهما من أسرار إلهيته، ومكنون غيوبه ومعرفته، أو لاستصفائه لهما، واستصفاء قلوبهما عمن سواه، حتى لم يخاللهما حب لغيره، ... ولهذا قال بعضهم: الخليل من لا يتسع قلبه لسواه وهو عندهم معنى قوله - صلى الله عليه وسلم: ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا، لكن أخوة الإسلام.
واختلف العلماء و أرباب القلوب: أيهما أرفع درجة: الخلة أو درجة المحبة؟
فجعلهما بعضهم سواء فلا يكون الحبيب إلا خليلا، ولا الخليل إلا حبيبًا لكنه خص إبراهيم بالخلة، ... ومحمدًا بالمحبة.
وبعضهم قال: درجة الخلة أرفع، واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي عز وجل ... فلم يتخذه. وقد أطلق المحبة لفاطمة، و ابنيها، و أسامة و غيرهم.
-وأكثرهم جعل المحبة أرفع من الخلة، لأن درجة الحبيب نبينا أرفع من درجة الخليل إبراهيم.
وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، و لكن هذا في حق من يصح الميل منه والإنتفاع بالوفق، ... وهي درجة المخلوق، فأما الخالق ـ جل جلاله ـ فمنزه عن الأغراض، فمحبته لعبده تمكينه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتهيئة أسباب القرب، وإفاضة رحمته عليه، وقصواها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه بقلبه، وينظر إليه ببصيرته، فيكون كما قال في الحديث: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به، و لسانه الذي ينطق به.
و لا ينبغي أن يفهم من هذا سوى التجرد لله، والإنقطاع إلى الله، والإعراض عن غير الله، وصفاء القلب لله، وإخلاص الحركات لله، كما قالت عائشة رضي الله عنه: كان خلقه القرآن، برضاه يرضى، و بسخطه يسخط،