الصفحة 119 من 409

-ومن هذا عبر بعضهم عن الخلة بقوله:

قد تخللت مسلك الروح مني ... و بذا سمي الخليل خليلا

فإذا ما نطقت كنت حديثي ... و إذا ما سكت كنت الغيلا

فإذا مزية الخلة وخصوصية المحبة حاصلة لنبينا - صلى الله عليه وسلم - بما دلت عليه الآثار الصحيحة المنتشرة، المتلقاة بالقبول من الأمة، وكفى بقوله تعالى: (( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران: 31) .

-حكى أهل التفسير أن هذه الآية لما نزلت قال الكفار: إنما يريد محمد أن نتخذه حنانًا كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم، فأنزل الله ـ غيظًا لهم ورغمًا على مقالتهم هذه الآية: (قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ) (آل عمران: 32) ، فزاده شرفًا بأمرهم بطاعته، وقرنها بطاعته، ثم توعدهم على التولي عنه بقوله: (فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ.) (آل عمران: 32)

-وقد نقل الإمام أبو بكر بن فورك عن بعض المتكلمين كلامًا في الفرق بين المحبة و الخلة يطول، جملة اشارته إلى تفضيل مقام المحبة على الخلة، ونحن نذكر منه طرفًا يهدي إلى ما بعده.

فمن ذلك قولهم: الخليل يصل بالواسطة، من قوله تعالى: (( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (الأنعام: 75) والحبيب يصل لحبيبه به، من قوله: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) (النجم: 9) وقيل: الخليل: الذي تكون مغفرته في حد الطمع، من قوله: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (الشعراء: 82)

والحبيب الذي مغفرته في حد اليقين، من قوله: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) (الفتح: 2) والخليل قال: (( وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) (الشعراء: 87) .

والحبيب قيل له: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ) (التحريم: 8) ، فابتدىء بالبشارة قبل السؤال.

والخليل قال في المحنة: (حَسْبِيَ اللَّهُ) (الزمر: 38 ) )

والحبيب قيل له: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ) (الأنفال: 64) .

والخليل قال: (( وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) (الشعراء: 84) . و الحبيب قيل له: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الشرح: 4 ) )، أعطي بلا سؤال.

و الخليل قال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) (إبراهيم: 35)

و الحبيب قيل له: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب 33) وفيما ذكرناه تنبيه على مقصد أصحاب هذا المقال من تفضيل المقامات والأحوال ... (كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا) (الإسراء: 84)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت