فهرس الكتاب
*فاعلم أن للعلماء في هذه الأحاديث تأويلات:
أحدها: أن نهيه عن التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فنهى عن التفضيل، إذ يحتاج إلى توقيف، و أن من فضل بلا علم فقد كذب.
-وكذلك قوله: لا أقول إن أحدًا أفضل منه ـ لا يقتضي تفضيله هو، وإنما هو في الظاهر كف عن التفضيل.
الوجه الثاني: أنه قاله - صلى الله عليه وسلم - على طريق التواضع، ونفى التكبر والعجب، وهذا لا يسلم من الإعتراض.
الوجه الثالث: ألا يفضل بينهم تفضيلًا يؤدي إلى تنقص بعضهم، أو الغض منه، لا سيما في جهة يونس عليه السلام، إذ أخبر الله عنه بما أخبر لئلا يقع في نفس من لا يعلم منه بذلك غضاضة وانحطاط من رتبته الرفيعة، إذ قال تعالى عنه: (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (الصافات: 140) . (( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء: 87 ) )ـ فربما يخيل لمن لا علم عنده حطيطته، بذلك.
الوجه الرابع: منع التفضيل في حق النبوة والرسالة، فإن الأنبياء فيها على حد واحد، إذ هي شيء واحد لا يتفاضل، وإنما التفاضل في زيادة الأحوال والخصوص، والكرامات، ... والرتب، والألطاف، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل، ومنهم أولو عزم من الرسل، ومنهم من رفع مكانًا عليًا، ومنهم من أوتي الحكم صبيًا، ... وأوتي بعضهم الزبر، وبعضهم البينات، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، قال الله تعالى: (َلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) (الإسراء: 55)
وقال: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) _ (سورة البقرة 253) .
-قال بعض أهل العلم: والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا، وذلك بثلاثة أحوال:
أن تكون آياته ومعجزاته أبهر، وأشهر، أو تكون أمته أزكى وأكثر، أو يكون في ذاته أفضل وأطهر، ... وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه الله به من كرامته، واختصاصه من كلام أو خلة او رؤية أو ما شاء الله من ألطافه، وتحف ولايته واختصاصه.
-وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن للنبوة أثقالًا، و إن يونس تفسخ منها تفسخ الربع فحَفِظَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موضع الفتنة، من أوهام من يسبق إليه بسببها حرج في نبوته، أو قدح في اصطفائه، وحطّ عن رتبته، ووَهْن في عصمته، شفقة منه - صلى الله عليه وسلم - على أمته.
وقد يتوجه على هذا الترتيب، وجه خامس، و هو أن يكون = أنا = راجعًا إلى القائل نفسه، أي لا يظن